Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

قال القاضي عياض:وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، وفصاحة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخصَّ ببدائع الحكم.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية

You are missing some Flash content that should appear here! Perhaps your browser cannot display it, or maybe it did not initialize correctly.

الشيخ الدكتور خالد بن عبد الرحمن الشايع  
تحميل الصوت نص البرنامج كاملا



بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين،   وصلى الله على وسلم نبينا محمد، وبعد:

 

فأهلًا بكم أيُّها الأحبة ومرحبًا بكم إلى هذه الحلقة من مواقف بيت النبوة، والتي نخصِّصها للحديث عن زواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذكر شيء من الحكم في ذلك، إلى غيرها من الفوائد.
 فنقول: إنَّ  نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- عاش ثلاثة وستين عامًا ملأها بالخير، وكانت مثالًا   كاملًا للطهر والفضيلة والتقى والجلال، وما ذاك إلَّا لأنَّ الله -تعالى- اصطفاه لأعظم رسالة، وختم به أنبيائه، فكانت تلك الحياة العظيمة أسوة حسنة للعالمين، ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- كما خاطبه ربنا: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ   وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] الآية، فأفادت أنَّ الرسالة لا تستلزم الرهبانية، ولا الانصراف عن الحياة الإنسانية العادية، حياة الزوجية وإنجاب الذرية، خلافًا لما ابتدعه المبتدعة في مختلف الشرائع والملل، مدّعين أنَّ ذلك قربة إلى الله دون حياء ولا خجل، وحينما نُجيل النظر في الحياة الزوجية لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنَّنا نجدها كلَّها عِبرًا، فهو كما قال له ربه: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48]، والبيت النبوي، كما قال ربنا: {إِنَّمَا  يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ  تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33]، وهذه الآية نصٌّ في دخول أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في أهل  البيت هاهنا؛ لأنهن سبب نزول هذه الآية.
 

وزوجاته -عليه الصلاة والسلام-، كما قال   عنهن الله -تعالى-: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ}     [النور: 26]، فهن أطيب الطيبات من النساء   لأطيب الطيبين من الرجال، وقد خصَّ الله -جلَّ وعلا- نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من بين   سائر أمته بأن يزيد على أربع زوجات، وكان زواج النبي -صلى الله عليه وسلم- بنسائه لِحِكم   عظيمة قدَّرها الله -سبحانه وتعالى-.

 

وأول زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- هي خديجة بنت خويلد، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين، ولها هي من العمر أربعون  سنة، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله برسالته، فآمنت به ونصرته، وماتت قبل الهجرة بنحو   ثلاث سنين، ولم يتزوج عليها في حياتها، وكان له من العمر -صلى الله عليه وسلم- لمَّا ماتت   نحو من خمسين سنة.

 

 ثم تزوج سَودة بنت زمعة، ولها من العمر ما يزيد على خمسين سنة، ومن   حكمة هذا الزواج أن يَعُول هذه المرأة بعد وفاة زوجها؛ نتيجة أذية أهلها لإسلامها   وبقائها بلا عائل.
 

وتزوج -عليه الصلاة السلام- الصديقة بنت الصديق عائشة بنت أبي بكر بوحي من الله، ومن حكمة هذا   الزواج إكرام أبي بكر، وإظهار منزلته، وبزواجه منها قضى على عادة التآخي الجاهلي التي   تجعل الأخوة المعنوية كالأخوة الحقيقية القائمة على النسب، وعائشة هي الزوجة البكر   الوحيدة.

 

وتزوج   -عليه الصلاة السلام- حفصة بنت عمر التي استشهد زوجها في معركة بدر، وبقيت بعد استشهاده   برهة من الزمن، فعرضها والدها على أبي بكر ليتزوجها، فاعتذر، ثم على عثمان، فاعتذر، ثم   تزوجها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فأخرجها من حزنها، وأظهر مكانة أبيها عمر.

 

وتزوج -عليه الصلاة السلام- زينب بنت خزيمة الهلالية بعد ثلاثة أزواج سابقين، فكان هذا الزواج؛ جبرًا  لمصابها، وإكرامًا لنفسها الطيبة التي أحبَّت المساكين، وجبرت كسرهم.

 

وتزوج   -عليه الصلاة السلام- أمَّ سلمة التى تأيَّمت من زوجها بأربعة من الأولاد لا معيل لهم من الناس، فكان هذا الزواج تخفيفًا لمصابها وكفالةً   لأيتامها.

 

وتزوج    -عليه الصلاة السلام- جويرية بنت الحارث بعد أن قضى عنها كتابتها، وخلَّصها من الرِّق، وفيه من  الحِكم: تألُّف قومها، واستمالة قلوبهم للإسلام، وقد كان ذلك.
 
 وتزوج زينت بنت جحش ابنة عمته بعد طلاقها من زيد بن حارثة، وهذا بنصِّ كتاب الله، ومن حكمته إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من أحكام التبني.
 
وتزوج  النبي-صلى الله عليه وسلم- أمَّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان بعد ارتداد زوجها عن الإسلام وهما  في الحبشة، فوكَّل -عليه الصلاة السلام- النجاشي ليخطبها له، ومن حكمة هذا الزواج  رعاية هذه المرأة المؤمنة التي تخلَّى عنها زوجها في وقت أحوج ما تكون إليه، وفي وقت   كان أبوها يتزعَّم قريشًا لحرب الإسلام والمسلمين.
 
 وتزوج  -صلى الله عليه وسلم- صفية بنت حيي التي سُبِيت في حرب   المسلمين لليهود في خيبر، فأعتقها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وخلَّصها من الرِّق، وخيَّرها، فاختارت النبي -صلى الله عليه وسلم- وتزوجها، ومن الحكمة في هذا الزواج: أنَّ هذه المرأة   بنت سيد اليهود، ولها مكانة عندهم، ولذا قال المسلمون: إنَّها لا تصلح إلَّا لك يا رسول الله.
 

وتزوج   -صلى الله عليه وسلم- ميمونة بنت الحارث الهلالية بعد أن   تأيَّمت من زوجها، وكانت معروفة بالصلاح والتقوى وصلة الرحم، فكان هذا الزواج جبرًا   لمصابها وتحبيبًا لقومها في الإسلام.

 

 فهذه عدة زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- إحدى عشرة امرأة، قُبِض عن تسع منهن، ومات في حياته   اثنتان هما: خديجة وزينب بنت خزيم.
 

ويُلحَظُ أنَّ من بينهن الصغيرة، والمسنَّة، وابنة عدو لدود، وابنة صديق حميم، ومنهن من كانت تشغل نفسها بتربية الأيتام، ومنهن من تميَّزت على غيرهن بكثرة الصيام والقيام، أو نقل أنواع من السنن إلى الأمة، فهن نماذج قدَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأمة من خلالهن تشريعًا فريدًا في كيفية التعامل السليم مع كلِّ نموذج منهن بما   يناسبه.

 

قال الحافظ ابن حجر  -رحمه الله- في معرض سرده لحِكم استكثار النبي -صلى الله عليه وسلم- من النساء:

 

أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظنُّ به المشركون من أنَّه ساحر أو غير ذلك.

 

ثانيها: لتتشرَّف به قبائل العرب بمصاهرتهم له.

 

ثالثها: الزيادة في تألُّفهم.

 

رابعها:تكثير عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يحاربه.

 

خامسها: نقل الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال؛ لأنَّ أكثر ما يقع مع الزوجة مما من شأنه أن يختفي مثله.

 

سادسها: الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوج أم حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفية بعد قتل أبيها عمها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خُلُقه؛ لنفرن منه، بل الذي وقع   أنَّه كان أحب إليهن من جميع أهلهن إلى غير ذلك من الحكم.

 

وقد كانت نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- معلمات ومفتيات لنساء   الأمة ورجالها في القضايا النسائية والأحكام الشرعية والآداب الزوجية والحِكم   النبوية، وكن قدوة صالحة في الخير والبر والإحسان، كما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-   المثل الأعلى في حسن الخلق وطِيب العشرة مع زوجاته، فقد عاشرهن بالمعروف، وعدل بينهن، وعلَّمهن الأحكام الشرعية الخاصة بالنساء.
 وهؤلاء الزوجات لم يكن يُغْرِيهن بالبقاء في بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم- سوى تلك المهمة الجليلة في تبليغ الأحكام الناس وعونًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- في القيا م بأعباء الدعوة؛ لينلَن صحبته في الآخرة، برغم أنَّهن كن يَعِشِن في ذلك البيت في شظف من العيش حتى بلغ بهن المطالبة بزيادة النفقة، فكان أمر الله  لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يخيِّرهن وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل   لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا   فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا* وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 29،28]، فاخترن الله   ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خيري الدنيا والآخرة وسعادة الآخرة، ومع  قيام نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- بحقوق نسائه جميعًا أتمَّ قيام؛ فإنَّهن لم يشغلنه   عن الدار الآخرة وتعلُّق قلبه بها ولا عن بقية أعباء الرسالة وهداية   الأمة.
 

ولنختم حلقتنا هذه -مستمعي الكرام- بما أخبرت به أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، إذ قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-    كلما كانت ليلتها من رسول الله -عليه الصلاة السلام- يخرج من آخر الليل إلى البقيع -وهي مدافن أهل المدينة-، فيقول: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا   مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد).

 

وإلى لقاء الحلقة القادمة بعون الله، أستودعكم الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المقطع المختار من قسم مقاطع الفيديو