Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

كل أولاده صلى الله عليه وسلم من ذكر وأنثى من خديجة بنت خويلد إلا إبراهيم فإنه من جاريته مارية القبطية التي أهداها له المقوقس ملك مصر

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية

 وعلم أبو سلمان بالخبر فحبس سلمان بالقيد، وما كان للقيد أن يكبل سلمان عن رحلته، فهو مشتاق إلى الحق، فاستطاع سلمان الهرب من قيده إلى الشام، ليبدأ رحلته في البحث عن الحقيقة، تلك الرحلة التي نراها دليلاً من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.

يقول سلمان: فلما قدِمتُ الشام قلتُ: من أفضل أهل الدين علماً؟ قالوا: الأسقفُ في الكنيسة ، فجئتُه فقلتُ له: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك، فأخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك، قال: ادخل، فدخلت معه.
فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم بها، فإذا جمعوا إليه شيئاً منها اكتنـزه لنفسه، ولم يعطه المساكين ، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق.
فأبغضه سلمان، وكشف لهم حقيقته بعد موته، فوضعوا بدلاً منه آخر، يقول عنه سلمان: ما رأيت رجلاً يصلي أفضلَ منه ولا أزهدَ في الدنيا ولا أرغبَ في الآخرة ولا أدأبَ ليلاً ولا نهاراً منه ، فأحببته حباً لم أحبه شيئاً قبله ، فأقمت معه زماناً ثم حضرته الوفاة ، فقلت له: يا فلان، إني قد كنت معك، وأحببتك حباً لم أحبه أحداً قبلك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟

فقال: أي بُنيَّ، والله ما أعلم أحداً على ما كنت عليه، ولقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلاً بالموصل وهو فلان، وهو على ما كنت عليه.
فلما مات الرجل وغُيِّب [أي دُفِن]، لحق سلمان بصاحب الموصل، فأقام عنده إلى حين وفاته، فأوصى الرجلُ سلمانَ أن يلحق برجل على التوحيد في نصيبين، فلزمه سلمان زمناً ، فلما أدركه الموت أوصى الرجلُ سلمانَ باللحاق برجل على التوحيد في عمورية من أرض الروم قائلاً: "فإنه على مثل ما نحن عليه ، فإن أحببت فأْتِه".

فانطلق إليه سلمان ولزمه فلما أدركته الوفاة، قال له سلمان: إلى من توصي بي؟ وبم تأمرني؟ قال: "يا بني والله ما أعلمه أصبح اليوم أحد على مثل ما كنا عليه فآمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظل زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرُه إلى أرض بين حرتين ، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل".

ثم مر بسلمان تجار من قبيلة كلب، فقلت لهم: احملوني إلى أرض العرب، وأعطيكم بُقيراتي هذه وغُنيماتي هذه، فحملوه معهم، حتى إذا بلغوا وادي القرى يقول سلمان: فظلموني وباعوني لرجل يهودي، فكنت عنده ، فرأيت النخل فرجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي ولم يحق في نفسي.
 
فبينما أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة، فابتاعني منه، فحملني إلى المدينة ، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها فعرَفتُها بصفة صاحبي ، فأقمت بها.
وبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بمكة ما أقام، لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ لسيدي أعمل فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي؛ إذ أقبل ابنُ عمٍ له، حتى وقف عليه، فقال: يا فلان قاتل الله بني قَيْلة [وهو اسم جدة للأنصار يُنسبون إليها] والله إنهم الآن لمجتمعون معنا على رجل قدم عليهم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي.
 فلما سمعتُها أخذتني العُرَواء [أي الرِعدة] حتى ظننت أني ساقط على سيدي، فنزلت عن النخلة، فجعلتُ أقول لابن عمه ذلك: ما تقول؟ فغضب سيدي، فلكمني لكمة شديدة، ثم قال: مالك ولهذا؟ أقبِل على عملك! فقلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبته عما قال.

وقد كان عندي شيء جمعتُه، فلما أمسيت أخذتُه، ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقرَّبتُه إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((كلوا)) وأمسك فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة.
ثم انصرفتُ عنه فجمعتُ شيئاً، وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم جئته به، فقلت: إني قد رأيتُك لا تأكلُ الصدقة، وهذه هدية أكرمتُك بها، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه فأكلوا معه، فقلت في نفسي: هاتان اثنتان.
ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد قد تبع جنازة رجل من أصحابه، وهو جالس في أصحابه، فسلمت عليه، ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني صلى الله عليه وسلم استدبرته عرَف أني أستثبت في شيء وصف لي، فألقى الرداء عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم فعرفته، فأكببت عليه أقبله وأبكي.
 
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تحوَّل)) فتحولتُ، فجلستُ بين يديه ، فقصصتُ عليه حديثي .. فأعجبَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأحبَّ أن يسمع ذلك أصحابُه.[11]
ومن دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم بشارة النبيين موسى وحبقوق بنبي قدوس طاهر يخرج من بلاد فاران، وهو اسم للحجاز كما سيتبين لنا.
وقد جاء في سفر التثنية المنسوب إلى موسى عليه السلام أنه قال لبني إسرائيل قبيل وفاته: "جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران" (التثنية 33/2)، فقد أخبرهم عليه السلام بأنه كما جاءت رسالة الله إليه على جبل الطور في سيناء، فإن النبوة ستشرق من جبل ساعير في وسط فلسطين، وذلك بنبوة عيسى عليه السلام، ثم ستتلألأ النبوة من فوق جبل فاران بنبي عظيم يخرج فيها.
 
وأكد سفر النبي حبقوق البشارةَ بالنبي المبعوث في فاران، فقال: "والقدوس من جبل فاران، جلاله غطى السماوات، والأرض امتلأت من تسبيحه" (حبقوق 3/3)، فمن هو هذا العبد الطاهر ذو الهيبة الذي يخرج من فاران، وتمتلئ الأرض من تسبيحه وتسبيح أتباعه؟
لن نستطيع القول بأنه محمد صلى الله عليه وسلم إلا إذا عرفنا المقصود من كلمة (فاران).
فاسم فاران تستخدمه التوراة في حديثها عن مكة المكرمة، فقد جاء في سفر التكوين أن إسماعيل عليه السلام نشأ وتربى في برية فاران، يقول السِّفر عن إسماعيل: " كان الله مع الغلام فكبر .. وسكن في برية فاران " (التكوين 21/21).

وهكذا استبانت النبوءة في أبهى صورها، فكما عاش إسماعيل في برية فاران التي هي الحجاز، فإن النبوة ستتلألأ من على جبل فاران، فمن هو النبي المبعوث في فاران؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم.
إن أمثال هذه النبوءة الباهرة والشهادة الواضحة دفعت المنصفين من أهل الكتاب إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والاعتراف بأنه الرسول الخاتم المبشر به في كتب السابقين.

ومن هؤلاء حَبْرُ اليهود عبدُ الله بن سلام الذي أسلم على يد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد وفد على النبي في يوم هجرته ومقدمه المدينة ، يقول: فجئت في الناس لأنظر إليه.
فلما استثبتُ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به صلى الله عليه وسلم أن قال: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)).[12]

قال السندي: " قوله: ( عرَفْت أن وجهه ليس بوجه كذاب ) لما لاح عليه من سواطع أنوار النبوة، وإذا كان أهل الصلاح والصلاة في الليل يُعرَفون بوجوههم .. فكيف هو، وهو سيدهم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله؟ ".[13]

وفي البخاري أن ابن سلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه، وقال: إني سائلك عن ثلاث، لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه؟ ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خبَّرني بهن آنِفاً جبريلُ .. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد، فإن الرجل إذا غشي المرأة، فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها)). قال: أشهد أنك رسول الله.
 
ثم قال ابن سلام: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعلمُنا وابنُ أعلمِنا، وأخيَرِنا وابنُ أخْيَرنا.
 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟)) قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسولُ الله.
فقالوا: شرُّنا وابنُ شرنا، ووقعوا فيه.[14]

فإسلام عبد الله بن سلام ، وهو حبر عالم في الكتب السابقة دليل صدق وشاهد حق على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ] ويقول الذين كفروا لست مرسلاً قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب [ (الرعد: 43).

وفي مسند أحمد شاهد آخر من شهادات أهل الكتاب بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك فيما يرويه عن سلمة بن سلامة البدري رضيى الله عنه قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، فخرج علينا يوماً من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فوقف على مجلس عبد الأشهل، وأنا يومئذ أحدث من فيه سناً.. فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقومٍ أهلِ شرك أصحابِ أوثان، لا يرون أن بعثاً كائن بعد الموت.

فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً؟ إن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار؟ يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلَف به ..

قالوا له: ويحك، وما آيةُ ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده نحو مكة واليمن.
قالوا: ومتى تُراه؟ قال سلمة: فنظر إليّ، وأنا من أحدثهم سناً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمُرَه [أي إن عاش حتى يهرم] يدركْه.
 قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو [أي اليهودي] حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسداً.
 فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، وليس به.[15]

لقد أنكر الحق الذي عرفه وكان يبشر به ] ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين [ (البقرة: 89).
لقد كفروا بالنبي الذي كانوا ينتظرونه من بعد ما عرفوه معرفتهم بأبنائهم، وصدق الله العظيم في قوله: } الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون { (الأنعام:20).

ومن البشارات الكتابية أيضاً بالنبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في سفر التكوين المنسوب إلى موسى عليه السلام، أنه خاطب بني إسرائيل: "قال لي الرب: قد أحسنوا في ما تكلموا، أقيم لهم نبياً من وسط إخوتهم مثلك، وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه.." (التثنية 18 / 17 - 19).

والنص كما هو واضح يتحدث عن نبي عظيم يأتي بعد موسى عليه السلام، ويذكر صفات هذا النبي، وأولُها أنه من غير بني إسرائيل، فهو ليس من أنفسهم، بل هو من بني إخوتهم، أي أبناء عمومتهم، وعمومة بني إسرائيل هم بنو عيسو بنِ إسحاق، وبنو إسماعيلَ بنِ إبراهيم عليهم السلام.
 وهذا النبي من خصائصه أنه مثل لموسى الذي لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله كما جاء في سفر التكوين: "ولم يقم بعدُ نبيٌ في إسرائيل مثلُ موسى" (التثنية: 34/10).

ومن صفات هذا النبي المبشَر به أن الله يعطيه وحياً شفاهياً يحمل كل وصايا الله، وأيضاً فإن الله ينتقم من أعدائه الذين يرفضون نبوته "وأجعل كلامي في فمه، فيكلمهم بكل ما أوصيه به، ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه".
فمن هو هذا النبي الذي يبشر به موسى عليه السلام؟ إنه أخوه محمدٌ صلى الله عليه وسلم.
ولهذا الخبر وغيره من الأخبار التوراتية؛ كان يهود المدينة يتوعدون جيرانهم من الأوس والخزرج بمقدم نبي عظيم، يسودون به على المدينة وأهلها، فقد روى ابن إسحاق في سيرته عن بعض الأنصار أنهم قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام - مع رحمةِ الله تعالى وهداهُ لنا - لِما كنا نسمع من رجال اليهود، وكنا أهلَ شرك أصحابَ أوثان، وكانوا أهل كتاب، عِندَهم علمٌ ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيراً ما نسمع ذلك منهم.

فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كان يتوعدنا به, فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزلت هؤلاء الآيات: } ولما جاءهم كتابٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين { (البقرة: 89).[16]

قال قتادة: "كانت اليهود تستفتح بمحمد صلى الله عليه وسلم على كفار العرب .. فلما بَعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فرأوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة".[17]

وشهد لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم حَبْر عالم من علماء اليهود في المدينة، الحَبرُ ابنُ الهيبان ، وقد جاء من الشام إلى المدينة المنورة حين علم أنها مهاجرُ النبي الخاتَم، فجاء إليها ينتظر مبعثه وهجرته إليها.
 روى ابن اسحاق في سيرته عن شيخ من بني قريظة، قال: قدم علينا رجل من الشام من اليهود يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، والله ما رأينا رجلاً يصلي خيراً منه، فقدم علينا قبل مبعَثِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، فكنا إذا قحطنا، وقلّ علينا المطر؛ نقول: يا ابن الهيبان اخرج، فاستسق لنا ، فيقول: لا والله حتى تقدموا أمام مخرجِكم صدقة، فنقول: كم؟ فيقول: صاعاً من تمر، أو مُدَّين من شعير.

فنخرجه، ثم يخرج إلى ظاهر حرتنا، ونحن معه نستسقي، فوالله ما يقوم من مجلسه حتى تمطرَ ويمُرَّ الماء بالشعاب، قد فعل ذلك مرة ولا مرتين ولا ثلاثة.
فحضرته الوفاة، واجتمعنا إليه، فقال: يا معشر يهود! أترون ما أخرجني من أرض الخمر والخمير [الشام] إلى أرض البؤس والجوع [يثرب]؟ قالوا: أنت أعلم.

 

قال: فإني إنما خرجت أتوقع نبياً قد أظل زمانُه، هذه البلاد مهاجَرُه، فاتبعوه ولا يسبقَنَّ إليه غيرُكم إذا خرج، يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك الدماء وسبي الذراري والنساء ممن يخالفه فلا يمنعكم ذلك منه، ثم مات.

فلما كانت الليلة التي فُتحت فيها قريظة، خرج ثلاثة من حصونهم، فقالوا: يا معشر اليهود، والله إنه للذي ذكر لكم ابنُ الهيبان، فقالوا: ما هو به ، قالوا: بلى والله إنه لصفته. ثم نزلوا وأسلموا.[18]

وأما السفر المنسوب إلى النبي حجي فإنه يذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول لبني إسرائيل: "لا تخافوا، لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل، فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة، وأنزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم، فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود...".
ويتحدث السفر عن عظمة بيت جديد من بيوت الله: "مجدُ هذا البيت الأخير يكون أعظمَ من مجد الأول [أي مسجد القدس] قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام" (حجي 2/6 - 9).

 ولو عدنا إلى النص العبري للتوراة، وقرأنا قولها: "ويأتي مشتهى كل الأمم" لوجدنا النص العبري يقول: "فباؤا حِمدات كول هاجوييم"، وكلمة حِمدات التي ترجمت إلى "مشتهى" هي الصيغة العبرية لاسم محمد صلى الله عليه وسلم، وترجمتها خطأ ظاهر لأن الأسماء لا تترجم.
وقول السِفر عن بيت الله الأخير أي المسجد الحرام: " وفي هذا المكان أعطي السلام"، أي أعطي الإسلام، فالسلم والإسلام لفظتان اشتقاقهما واحد، وكلاهما اسم يطلق على دين الإسلام، كما قال الله: } يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السِلْم كافةً { (البقرة: 208).

قال ابن كثير: "ادخلوا في السلم كافة يعني الإسلام".[19]
وهكذا تتلألأ الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، إن الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى يذكر النبي باسمه ، وينبؤنا باسم دينه، وعن بيته العظيم الذي يفوق شرفه ومجده بيت الله القديم الذي بناه إسحاق على أرض فلسطين.

وقد صدق الله وهو يؤكد وجود البشارة به في كتب السابقين ويعِد المؤمنين منهم بالفلاح العظيم: } الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون { (الأعراف: 157).

[1] رواه الطبري في تفسيره (3/332).
[2] رواه البخاري ح (4).
[3] رواه البخاري ح (4).
[4] رواه أبو داود ح (3205)، وأحمد ح (4836) وابن أبي شيبة ح (36640).
[5] رواه البخاري ح (3877)، ومسلم ح (952).
[6] رواه أبو داود ح (2523).
[7] شرح النووي على صحيح مسلم (12/107).
[8] وهو اسم كان كفار قريش يعيرون به النبي صلى الله عليه وسلم.
[9] رواه البخاري ح (7)، ومسلم ح (1773).
[10] شرح النووي على صحيح مسلم (12/107).
[11] ذكره ابن إسحاق في سيرته (1/65-66).
[12] رواه الترمذي ح (2485)، ابن ماجه ح (1234)، وأحمد في المسند ح (23272)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه ح (1097).
[13] شرح سنن ابن ماجه (2/231).
[14] رواه البخاري ح (3329).
[15] رواه أحمد ح (15414).
[16] أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية (2/37-38)، ورواه الطبري في تفسيره (1/410).
[17] جامع البيان (1/411).
[18] أخرجه ابن إسحاق في سيرته (1/62)، وابن هشام في السيرة النبوية (2/38-39)، ورواه البيهقي في السنن (9/114).
[19] تفسير القرآن العظيم (1/248).

د. منقذ بن محمود السقار