Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

 -         (حدث في شوال) غزوة بني قينقاع، وهم أشد يهود المدينة وأشجعهم، وأول اليهود في المدينة غدراً، فغزاهم المسلمون في شوال من السنة الثانية للهجرة، وحاصروهم خمس عشرة ليلة، حتى استسلموا، وكانوا سبع مئة مقاتل، يستحقون القتل، لكن شفع فيهم عبد الله بن أبي بن سلول، وألح على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالشفاعة حتى تركهم له على أن يخرجوا من المدينة، فخرجوا إلى موضع في الشام وانقطع خبرهم هناك .

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية

- أسامة الحمصي‏ - أما من الناحية الخَلْقِيَّة
فقد كان صلى الله عليه وسلم مُجَسِّدا للكمال البشرّي في جميع جوانبه، فهو أحسنُ الناسِ وجها، وأحسنهم خَلْقَا، وأكملهم خُلُقا. ففاضت قلوب أصحابه بإجلاله، ودأبوا على توقيره، وتَفَانَوا في حياطته وإكباره، وتركوا كثرة سؤاله، وابتعدوا عن الاختلاف بين يديه، وأحبّوه إلى حدّ الهيام، بما لا تعرف الدنيا مثل ذلك لرَجُلٍ غيره مع أصحابه صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم أجمعين.
وإلى سيّدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتهي الحُسْنُ والبهاء والجَمال.
وإن كان نبي الله الكريم يوسُف الصِدّيق صلى الله عليه وسلم أُوتي شَطْرَ الحُسْن، وافْتُتن به بعض النساء، فلقد أوتي رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم الحُسْنَ كاملا مع الهيبة والوقار. فهو أجملُ الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأكملهم من قريب.
فكان منظره يوحي لِمن يراه أنّه أَمام نبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال أبوهريرة رضي الله عنه: ما رأيتُ شيئاً أحسنَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا وصف النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: هو خاتَمُ النبيّين، أجْوَدُ الناس صَدْرَا، وأصدقُ الناس لهجةً، وألْيَنُهُمْ عَريكة ( دليل على كمال مسامحته، ووفور حلمه وتواضعه )، وأكْرَمُهُمْ عِشْرَةً ( صحبة )، من رآه بَدِيْهَةً ( مفاجأة ) هابَهُ، ومن خالطه مَعْرِفَةً أحبّه.
وكان صلى الله عليه وسلم أطيب الناس رائحة. وإذا مرَّ من طريق عُرِفَ أنّه مَرَّ من هنا، لطيب رائحته.
قال أنسُ بن مالك رضي الله عنه: ما مَسَسْتُ ديباجا ولا حريرا ألْينَ من كفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شَممتُ رائحة قطُّ أطيبَ من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قطّ: أُفٍّ، ولا قال لشيءٍ فعلتُه: لمَ فعلْتَه؟، ولا لشيءٍ لمْ أفعَلْه: ألا فعَلْتَ كذا؟. متفق عليه.

( أقول: ألا يدلّ هذا الحديث العظيم كذلك على فطنة سيّدنا أنس بن مالك رضي الله عنه وكياسته وحسن تدبيره؟! ).
وكان صلى الله عليه وسلم رَبْعَة ( وسطا ) من القوم، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: كان رسول الله مَرْبُوعاً، ولقد رأيتُه في حُلّة حمراء، ما رأيتُ شيئا قطُّ أحسنَ منه. متفق عليه. ( مربوعا: ليس قصيرا ولا مُفرطا في الطول، وإلى الطول أقرب ).
ظاهر الوضاءة. طويل الزندين، سابل الأطراف ( طويل الأصابع ) ضخم القدمين، سريع المِشية، يمشي مسرعاً وكأنّما ينحدر من جبل. قال أبو هريرة رضي الله عنه: ولا رأيتُ أحدا أسرع في مِشْيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنّما الأرض تُطوى له، إنّا لنُجْهِدُ أنفُسَنا وإنّه لغير مُكترث.
وكان صلى الله عليه وسلم أزهر اللون ( أبيض مشربا بحمرة )، عظيم الرأس، واسع الجبين، سهل الخَدّين، شديد سواد الشَعر، وكان رَجِلَ الشَعر ( بين الجعودة والسُبُوطة )، أدعج ( واسع العينين، جميلهما، شديد بياضهما وسوادهما، كأنّ في عينيه كحل ) غزير اللحية، جميل الجِيد ( العُنُق )، عريض الصدر ( دليل الصبر والسماحة والحلم ) واسع ما بين المنكبين، معتدل الخَلْق، لا بالبدين ولا بالنحيل.
واقترن النشاط والحياء بالقوّة والمضاء في هذه البِنْية الجميلة، فكان صلى الله عليه وسلم يصرع الرجلَ القويّ، ولربما ركب الفرس عاريا عن السرج.

وكان صلى الله عليه وسلم ضَليع الفم ( الضليع: العظيم، وذلك دليل على سلامة النُطق وفصاحة الكلام. ) .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وكان صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس ثَغرا. صحيح مسلم. في صوته صَهَل ( بحة يسيرة: وذلك من عُذُوبة الصوت )، وكلامه فصْل. إذا تكلّم رُئي كالنور يخرج من بين ثناياه. إنْ صَمتَ فعليه الوَقار، وإنْ تكلّم سما، وعلاه البهاء.
عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: كان كلام رسول الله كلاما فَصْلا، يفهمُه كلُّ من يسمعُه. رواه أبو داود.
كان أفصح الناس وأصدقهم. أوتيَ جوامع الكَلِم، وخُصّ ببدائع الحِكم، وقلّة التكلّف، ولا يتكلّم في غير حاجة. اجتمعت له قوّة عارضة البادية وجزالتها، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها، وعَلِم ألسنة العرب، فكان يُخاطب كلّ قبيلة بلسانها، ويُحاور كلّ قوم بلهجتهم.
مدحه شاعرُه حسان بن ثابت رضي الله عنه، فقال:
وأحسنُ منك لَمْ تَرَ قطّ عينٌ وأجمل منك لم تلد النساء
خُلِقْتَ مُبرّءا من كلّ عيبٍ كأنّك قدْ خُلِقتَ كما تشاء
وأمّا من الناحية الخُلُقيّة
فلا بدّ لمن يختاره الله سبحانه وتعالى لتبليغ دعوة الله للناس أن يكون على خُلُقٍ عظيم، ليدل الخَلْقَ على كلّ خير، ويطهرهم من كل شر.
ثم الرسول هو المبلغ عن ربه والقدوة للبشر في أمور دينهم ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرا ). الأحزاب: 21.
فلا بد أن يكون الرسول أرقى البشر في كلّ جانب من جوانب الحياة.
( قل إنَّ صَلاتِي و نُسُكِي و مَحْيَاي و مَمَاتي للهِ ربِّ العالمين  لا شريك له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أوّلُ المُسْلِمين ). الأنعام: 162ـ 163.
أ

خلاقه صلى الله عليه وسلم.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم عظيما في أخلاقه، وعلى قمّة الكمال في كل ناحية من نواحيها. أدّبه ربُّه فأحسن تأديبه. اقرأ معي قول الله تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم ). القلم: 4؛ وكفى بها شهادة عظيمة من رب عظيم لنبي عظيم.
فكان صلى الله عليه وسلم يُحبُ الخُلُقَ الحسن، ويحثُ أمتّه عليه.
وبمناسبة الحديث عن الآية ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرا )، يقول سيّد قطب رحمه الله في موسوعته ( في ظلال القرآن ) بعدما يستعرض أحوال المنافقين في غزوة الأحزاب ( الخندق ): ] ولكنّ الهول والكرب والشدّة والضيق، لمْ تُحوّل الناسَ جميعا إلى هذه الصورة الرديئة … كانت هنالك صورة وضيئة في وسط الظلام، مُطْمئنّة في وسط الزلزال، واثقة بالله، راضية بقضاء الله، مستيقنة من نصر الله، بعد كلّ ما كان من خوف وبلبلة واضطراب.
ويبدأ السياق هذه الصورة الوضيئة برسول الله صلى الله عليه وسلم.
( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخرَ وذَكَرَ اللهَ كثيرا )، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من الهول المُرْعب والضيق المُجهد، مثابة الأمان للمسلمين، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان. وإنّ دراسة موقفه صلى الله عليه وسلم في هذا الحادث الضخم لمّما يرسم لقادة الجماعات والحركات طريقهم، وفيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وتطلُبُ نفسُه القدوة الطيّبة، ويذكر الله ولا ينساه.

ويحسن أنّ نُلمّ بلمحات من هذا الموقف على سبيل المثال.
ويتابع سيّدٌ كلامَه … ولنا أن نتصوّر هذا الجوَّ الذي يعمل فيه المسلمون، والرسول صلى الله عليه وسلم بينهم، يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويُرجّع معهم الغناء … ولنا أن نتصوّر أيّة طاقة يُطلِقها هذا الجوّ في أرواحهم، وأيّ ينبوع يتفجّر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز.
… ثمّ كانت روحه صلى الله عليه وسلم تستشرف النصر من بعيد، وتراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعاول، فيحدّث بها المسلمين، ويبثّ فيهم الثقة واليقين.
…أمّا أخبار شجاعته صلى الله عليه وسلم في الهول، وثباته ويقينه، فهي بارزة في القصّة كلّها.
وحول الآية ( وإنك لعلى خلق عظيم )، يقول سيّد:
ثمّ تجيء الشهادة الكبرى والتكريم العظيم:

( وإنك لعلى خلق عظيم ) … ويعجز كلّ قلم، ويعجز كلّ تصوّر، عن وصف قيمة هذه الكلمة العظيمة من ربّ الوجود، وهي شهادة من الله، في ميزان الله، لعبد الله …
ويتابع: وكان واقع سيرته أعظم شهادة من كلّ ما روي عنه. ولكنّ هذه الكلمة أعظم بدلالتها من كلّ شيءٍ آخر. أعظم بصدورها عن العليّ الكبير. وأعظم بتلقّي محمد صلى الله عليه وسلم لها وهو يعلم من هو العليّ الكبير، وبقائه بعدها ثابتا راسخا مطمئنّا. لا يتكبّر على العباد، ولا ينتفخ، ولا يتعاظم، وهو الذي سمع ما سمع من العليّ الكبير!… والله أعلم حيث يجعل رسالته. وما كان إلاّ محمد صلى الله عليه وسلم ـ بعظمة نفسه هذه ـ من يحمل هذه الرسالة الأخيرة بكلّ عظمتها الكونيّة الكبرى. فيكون كفئا لها، كما يكون صورة حيّة منها.
ويتابع سيّد قوله: إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ هو الذي يرقى إلى هذا الأفق من العظمة …إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ هو الذي يبلغ قمّة الكمال الإنسانيّ المجانس لنفحة الله في الكيان الإنسانيّ … إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ هو الذي يكافىء هذه الرسالة الكونيّة العالميّة الإنسانيّة، حتى لتتمثّل في شخصه حيّة، تمشي على الأرض في إهاب إنسان … إنّه محمد صلى الله عليه وسلم ـ وحده ـ الذي عَلِمَ اللهُ منه أنّه أهل لهذا المقام. والله أعلم حيث يجعل رسالته ـ وأعلن في هذه أنّه على خُلُقٍ عظيم. وأعلن في الأخرى أنّه ـ جلّ شأنه وتقدّست ذاته وصفاته ـ يُصلّي عليه هو وملائكته ( إنّ الله وملائكته يُصَلّون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ).
وهو ـ جلّ شأنه ـ وحده القادر على أن يهب عبدا من عباده ذلك الفضل العظيم[ . انتهى كلام سيّد رحمه الله.
وعن أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: " يَسِّروا ولا تُعَسّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا ". متفق عليه.
وعن جابر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلِسا يوم القيامة أحاسِنَكُم أخلاقا … " الحديث. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أكملُ المؤمنين إيمانا أحسنُهم خُلُقا، وخياركم خياركم لنسائهم ". رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
كان الحِلْم والاحتمال، والعفو عند المقدرة، والصبر على المكاره، صفات أدّبه الله عليها. فما زاد مع كثرة الأذى إلاّ صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حِلْما.
وكان صلى الله عليه وسلم جمّ الحياء، وكان أشدّ الناس حياءً وإغضاء. فقد كان خلقه القرآن.
عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت: كان خُلُقُ نبيِّ الله صلى الله عليه وسلم القرآن. رواه سلم.
إنّه الخُلُق القرآنيّ الكريم في أبهى صوره، وأكمل صفاته، وأعلى منازله.
فدينه الإسلام خُلُقه الحياء. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس حياء.
عن أبي سعيد الخُدرِيّ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء في خِدْرها، وكان إذا كَرِهَ شيئا، عرفناه في وجهه. صحيح مسلم.

فلم يُعهد عنه أبدا فحش ولا بذاءة.
وكان صلى الله عليه وسلم دائم البِشْر، وإذا رضي انطَلَقَتْ أساريرُ وجهه، وتبيّن رضاه. وكان كثير التبسّم ( وكان أكثر ضحكه تبسّما )، سهل الخُلُق، ليّن الجانب. ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا صخّاب ( الصخب: عُلُوّ الصوت وارتفاعه من غير حاجة ) ولا فحّاش.
ولا يُؤيِسُ منه راجيه، ومن سأله حاجة ردّه بها أو بميسورٍ من القول. يقبل الهديّة ويثيب عليها، ولا يأكل الصدقة هو ولا أهل بيته. لا يجزي بالسيّئة السيّئة، ولكن يعفو ويصفح.
أبعد الناس عن الغضب، وأسرعهم رضا. يتقي الغضبَ جهده، وما غضب لنفْسه قطّ، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، فلا يقوم لغضبه عندها شيء.
عن أمّ المؤمنين الصِدِّيقة بنت الصِدِّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها قالت:.. وما انتقمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ في شيءِ قطُّ، إلاّ أنْ تُنتَهكَ حُرْمَةُ الله، فينتَقِمَ لله تعالى. متفق عليه.
كان صلى الله عليه وسلم قريبا من الناس، وهو خير الناس للناس، يُكْرم كريم كلّ قوم، ويُوَلّيه عليهم. وكان خير الخلق لأهله.
يلتفت فيلتفت كلّه جميعا، ويشير فيشير بكفّه كلّها.
وكان أعدل الناس، وأوفاهم بالعهود، وأعفّهم، وأوصلهم للرحم، وأعظمهم أمانة. فقد طلبَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند هجرته من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يبقى بعده لأداء الودائع التي كانت في بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أصحابها. حيث لم يجدوا من هو مثله أمانة وصِدْقا، فكانوا ـ مع عداوتهم له ـ لا يضعون حوائجهم وأموالهم التي يخافون عليها إلاّ عنده!.
وكان صلى الله عليه وسلم من أقلّ الناس كلاما، ومن أحسنهم فعالا. ولكنّه إذا تكلّم نطق قلبه، وإذا عمل نطقت جوارحه.
وكان أحبّ العمل إليه أدومه.

وقد ترك نفسه من الرياء، ومن الإكثار، ومما لا يعنيه.
ولا يذُمّ أحدا، ولا يُعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا بخير وفيما يرجى ثوابه.
مجلسه مجلس عِلْم وحِلْم، وفِكر وذكر، وحياء وأمانة وصبر. ولا يقوم ولا يجلس إلاّ على ذكر الله مولاه سبحانه وتعالى.
قال خارجة بن زيد رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه ( يستفاد من ذلك أن لا يمُدّ أحدنا رجليه بين الناس، ويتأكّد ذلك في المساجد، وباتجاه القبلة خاصّة. وكذلك من يجلس على كرسيّ ويثني رجله على الأخرى، أن لا يجعل بطن قدمه المرفوعة في وجه من يجالسه ).
ولا يتميّز من جلسائه، وإذا أتى الغريبُ يسأل: أيّكم محمد؟!.
ويشعر كلّ واحد من جلسائه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصّه بالاهتمام.
وكان إذا مسّ أحدا أحسَّ بطمأنينة ورَوْحٍ عجيب.
كان يتفكّه ويمزح ويُداعب أصحابه، وكان مزاحه آية من آيات النُبُوّة، فكان يُمازح أصحابه ولكن لا يقول إلاّ حقّا.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالوا: يا رسولَ الله إنّكَ تُداعِبُنا. قال صلى الله عليه وسلم: " نَعَمْ. غَيْرَ أنّي لا أقولُ إلاّ حَقَّا ". الترمذي وأحمد وابن السني.
وكان صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على جبر القلوب، وتطييب الخواطر، وتوخّي المؤاساة، واجتناب الإساءة.
يتفقدّ أصحابَه كبارا وصِغارا ويسأل عنهم، فلا يحسب أحدهم أنّ أحدا منهم أكرم عليه منه.
وإذا استوقفه أحد لحاجة، لا ينصرف صلى الله عليه وسلم حتى ينصرف صاحبه.
وكان صلى الله عليه وسلم يبادر من لقيه بالسلام والمصافحة، ويُقْبِل عليه بوجهه جميعا، ويكون آخر من ينزع يده من يد صاحبه. ويمرّ بالصِبْيَان والنساء فيُلوّح بيده ويقرئهم السلام.
روى البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صِبْيَانٍ يَلْعَبُون فسَلَّمَ عليهم. ورواه مسلم من وجه آخر.
وكان صلى الله عليه وسلم خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، وجُلّ نظره التفكر والملاحظة. ولا يثبت نظره في وجه أحد. ولا يُشافه أحدا بما يكره ـ حياء وكرم نفس ـ بل يقول: " ما بالُ أقوامٍ يَصْنَعُونَ كذا؟!، أو يقول: ما بالُ أقوام يقولون كذا؟! ".

يسوق أصحابه ( يقدمّهم بين يديه ) ويمشي خلفهم. عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله يتَخلَّفُ في المسير، فيُزْجي الضعيفَ، ويُرْدِفُ، ويدعو له. رواه أبو داود بإسناد حسن. ( يزجي: يسوق الضعيف ليلحق برفاقه ).
حقّا: إنّها أخلاق القرآن … إنّها أخلاق النُبُوّة.
إنّه صلى الله عليه وسلم بُعِثَ لِيُتَمّم مكارم الأخلاق بذاته وبسلوكه، وبقوله وبرسالته.
ولقد حقق النبيُّ صلى الله عليه وسلم تعاليم القرآن بذاته، وطبّقها على مجتمعه، على أكمل صورة يمكن أن يصل إليها مجتمع بشريّ. ( ولولا ذلك لوجد من يقول: إنّ تعاليم الإسلام العظيم، مجردّ مبادئ نظريّة، يستحيل تطبيقها على أرض الواقع ).
ولقد زكاه مولاه عن الضلال والغواية، فقال سبحانه وتعالى: ( ما ضل صاحبكم وما غوى ). النجم: 2.
وزكى لسانَه، فقال سبحانه وتعالى: ( وما ينطق عن الهوى ). النجم: 3.
وزكى فؤادَه، فقال سبحانه وتعالى: ( ما كذب الفؤاد ما رأى ). النجم: 11.
وزكى بصرَه بقوله سبحانه وتعالى: ( ما زاغ البصر وما طغى ). النجم: 17.
وزكى ربُه عقلَه، فقال سبحانه وتعالى: ( وما صاحبكم بمجنون ). التكوير: 22.
وزكاه عن القطيعة والهجران، فقال سبحانه وتعالى: ( ما ودعك ربك وما قلى ). الضحى: 3.