Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

 -اعتكف صلى الله عليه وسلم مرة في قبة تركية , وجعل على سدتها حصيرا , كل ذلك تحصيلا لمقصود الاعتكاف وروحه , عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة , ومجلبة للزائرين , وأخذهم بأطراف الحديث بينهم , فهذا لون , والاعتكاف النبوي لون آخر والله الموفق .ابن القيم

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
hiwar2_thumbnail.jpg

فمن أعظم ميزات الأسلوب في الحوار النبوي جمال العرض، وقوة الأسلوب.

ويتجلى ذلك بأمور كثيرة أبرزها ما يلي:

1_ حسن الاستفتاح للحوار: فمما يجمل بالمحاور أن يفتتح حواره افتتاحاً حسناً، وأن يُعْنى به تمام العناية، وأن يُجَمِّله بما يستطيع من وسائل التجميل المناسبة، التي تجتذب الأذهان، وتهيئ الأسماع، وتقود النفوس إلى الإقبال عليه، وإلى أن تتقبله بقبول حسن؛ فإن الفكرة الأولى عن شيء، أو أمر، أو شخص تثبت وتَقِرُّ بالنفس.

ومحوها يحتاج إلى عناء؛ فإن كانت حسنة صَعُب تهجينها، وإن كانت سيئة صعب تزيينها.

والافتتاح _إن وجد_ أولُ ما يَلْقَى به المحاورُ محاوريه؛ فإن وقع في نفوسهم موقع القبول كانت المحاورة على غراره، واستطاع من خلاله أن يصل إلى قلوبهم.

وإن لم يصادف قبولاً صعبت الحال، واحتاج الأمر إلى خبير بأحوال النفوس، حاذقٍ في طُرُق العلاج، ووسائل الشفاء من ذلك النّّفار وهذا الشّماس.([1])

قال أبو هلال العسكري ×: =إذا كان الابتداء حسناً بديعاً ومليحاً ورشيقاً كان داعيةَ الاستماعِ لما يجيء بعده من الكلام.

ولهذا المعنى يقول الله _عز وجل_: [الم]، و[حم]، و[طس]، و[كهيعص].

فيقرع أسماعهم بشيء بديع ليس لهم بمثله عهد؛ ليكون ذلك داعيةً لهم إلى الاستماع لما بعده، والله أعلم بكتابه.

ولهذا جعل أكثر الابتداءات بـ: [الْحَمْدُ لِلَّهِ] لأن النفوس تتشوق للثناء على الله؛ فهو داعيةُ الاستماع+. ([2])

هذا وإن المحاورين يختلفون في استفتاحاتهم؛ فمنهم من يستفتحها بما يشير إلى موضوعها، ويلوِّح بالقصد منها.

ومنهم من يبتدئ بالثناء على السامعين؛ ليهيء نفوسهم؛ لتلقي كلامه بالقبول؛ إذ لا شيء يهز أعطاف السامعين كالثناء عليهم، خصوصاً إذا كان من غريب عنهم، فذلك أسلوب بديع، وباب واسع يصح الدخول فيه بشرط الاتزان، وضبط النفس.

ومنهم من يتودد للسامعين، ويتواضع لهم، ويخاطبهم بأحسن صفاتهم، ويشعرهم بمحبتهم، وأنه ساعٍ لما فيه مصلحتهم.

ومهما يكن من أمر الافتتاح فينبغي أن يكون قصيراً موجزاً؛ لئلا يشغل الذهن، ويضيع الوقت.

وينبغي _أيضاً_ أن لا يكون مبتذلاً تمجه الأسماع، ولا تسيغه النفوس.

ثم إن الافتتاح قد لا يلزم خصوصاً إذا أراد المحاور الإيجاز؛ لضيق الوقت، أو نحو ذلك، بل يدخل في الموضوع مباشرة.([3])

ولقد كانت حوارات النبي" تفتتح بأحسن ما ينبغي أن يُسْتَفْتَح به؛ حيث كان يهيئ النفوس، ويجتذب الأذهان لما سيقوله، وكان يتودد للناس في كثير من بدايات حواراته، إلى غير ذلك مما يحسن أن يُفْتَتَح به الكلام.

والأمثلة على حسن استفتاحاته _عليه الصلاة والسلام_ كثيرة، ومنها ما يلي:

أ_ ما جاء في الصحيحين عن عبدالله بن زيد أن رسول الله" لما فتح حنيناً قسم الغنائم فأعطى المؤلفة قلوبهم، فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس، فقام رسول الله" فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: =يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي+ ويقولون: الله ورسوله أَمَنُّ، فقال: =ألا تجيبوني+ فقالوا: الله ورسوله أَمَنُّ، فقال: =أما إنكم لو شئتم أن تقولوا: كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا+ لأشياء عددها زعم عمرو أن لا يحفظها، فقال: =ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم، الأنصار شعار، والناس دثار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وشعباً لسلكت وادي الأنصار وشعبهم، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا؛ حتى تلقوني على الحوض+([4]).

فانظر كيف افتتح _عليه الصلاة والسلام_ حواره بحمد الله، والثناء عليه، ثم نادى الأنصار بلقب محبب إليهم، ألا وهو قوله: =يا معشر الأنصار+.

ولا يخفى ما في ذلك من الاعتراف بالسابقة، والنصرة، ولم يقل: =يا أهل يثرب+ أو: =يا من قلتم كذا وكذا+.

ثم ذكر مِنَّةَ الله عليهم به، ثم خَلُص إلى ما يريد بأحسن ما يكون من حسن التخلص، فكانت النتيجة أن رضوا، وطابت نفوسهم.

ب _ ومما كان يأخذ به _عليه الصلاة والسلام_ في افتتاح حواراته مع أصحابه_ أسلوب التشويق، فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة÷ أن رسول الله" قال: =أتدرون من المفلس؟+ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: =إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فَيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار+([5]).

فانظر كيف شد النبي" انتباههم، وشوَّقهم لما سيلقيه عليهم عندما افتتح حديثه بهذا الاستفهام المشوِّق.

ج _ وقريب من ذلك ما جاء في الصحيحين عن معاذ بن جبل ÷ قال: =بينا أنا رديف النبي"ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، فقال: =يا معاذ+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعةً، ثم قال: =يا معاذ+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعةً، ثم قال: =يا معاذ+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: =هل تدري ما حق الله على عباده؟+ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: =حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً+ ثم سار ساعة، ثم قال: =يا معاذ بن جبل+ قلت: لبيك رسول الله وسعديك، فقال: =هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوه؟+ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: =حق العباد على الله أن لا يعذبهم+([6]).

وهكذا هيّأ النبي" نفس معاذ لإخباره بهذا الأمر العظيم، حيث ناداه باسمه ولم يزد على ذلك، فاسترعى انتباهه، وشَوَّقه، ثم سكت ساعة، فزاد من شَوْقِه لما سيلقى عليه، وكرر ذلك _عليه الصلاة والسلام_ ثلاثاً، وبعد أن أخذ بمجامع قلب معاذ، وتأكد من استعداده ألقى عليه ذلك الأمر العظيم، فوعاه معاذ، ورسخ في ذهنه رسوخ الجبل؛ فلم ينسه معاذ حتى توفاه الله([7]).

2_ الترسل في الكلام وإلقاؤه مفصلاً دون إبطاء أو تعجيل: فيحسن بالمتكلم أن يكون مترسلاً في كلامه، متمهلاً في إلقائه، وأن تكون كلماته مُفَصَّلة متمايزة الحروف،  فمن متممات الفصاحة ألا يعجل الرجل بالكلام، بل يلقي الكلمات مفصلة حتى تقع في الذهن كأنها عِقْدُ جِيْدٍ أُحْكِمَ تَنْسيقُه.

ويحسن بالمتكلم _أيضاً_ ألا يبطِّئ في كلامه إبطاءً يخرجه عن طوره، ويجلب السآمة للسامعين؛ فالترسل والتمهل دون إبطاء أو تعجيل هو هدي النبي " في حواراته، ومواعظه.([8])

قالت أم المؤمنين عائشة _رضي الله عنها_: =كان النبي " يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُّ لأحصاه+.([9])

وقالت: =إن رسول الله " لم يكن يسرد الحديث كسردكم+.([10])

قال ابن حجر × في شرح الحديث الأول: =قولها: =لو عده العاد لأحصاه+: أي لو عدَّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك،وبلغ آخرها.

والمراد بذلك المبالغة في الترتيل، والتفهيم+.([11])

وقال × في شرح الحديث الثاني: =قولها: =لم يكن يسرد الحديث كسردكم+: أي يتابع الحديث استعجالاً بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع+.([12])

وجاء في سنن أبي داود عن عائشة _رضي الله عنها_ قالت: =كان كلام رسول الله" كلاماً فصْلاً يفهمه كل من سمعه+.([13])

وجاء في سنن أبي داود عن جابر ÷ قال: =كان في كلام رسول الله " ترتيل، أو ترسيل+.([14])

وفي رواية للترمذي: =كان يتكلم بكلام بَيْنَهُ فصلٌ يحفظه من جلس إليه+([15]).

3_ حسن الاستخدام للتكرار: فإن للتكرار أثراً كبيراً في جذب الانتباه، وتأكيد المعاني، وتقريرها في الأذهان.

والمحاور البارع يحسن استخدام التكرار، ويوقعه مواقعه اللائقة به.

ولقد كان النبي"يأخذ بهذا الأسلوب، وربما أعاد الجملة ثلاث مرات إذا كان المقام يقتضي ذلك. ([16])

ولهذا عقد الإمام البخاري × في صحيحه باباً بعنوان: =باب من أعاد الحديث ثلاثاً؛ ليفهم عنه+.

وساق فيه عدة أحاديث، منها ما رواه عن أنس ÷ عن النبي": =أنه كان إذا سلَّم سلَّم ثلاثاً، وإذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً+. ([17])

وعن أنس _أيضاً_ عن النبي ": =أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً؛ حتى تُفْهم عنه+ الحديث. ([18])

وعن عبدالله بن عمرو _رضي الله عنهما_ قال: تخلف رسول الله " في سفر سافرناه، فأدْرَكَنا وقد أرهقْنا الصلاة _صلاة العصر_ ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: =ويلٌ للأعقاب من النار+ مرتين أو ثلاثاً.([19])

والأحاديث في ذلك كثيرة منها قوله: =ألا وقول الزور، فما زال يكررها+.([20])

وقال ابن عمر _رضي الله عنهما_ قال النبي ": =هل بلَّغت+ ثلاثاً.([21])

وعن عبدالله بن عمر _رضي الله عنهما_ عن النبي " قال: =لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد+.([22])

4_ إثارة العواطف، ومخاطبة الوجدان: ذلك أن مرمى الإقناع في المحاورة ليس هو الإلزام والإفحام فحسب، وإنما مرماه حمل المخاطب على الإذعان، والتسليم بطوعه، وإرادته.

وذلك لا يتسنى بسوق الدلائل المنطقية جافة، ولا بإيراد البراهين العقلية عارية، بل بذلك وبإثارة العاطفة، ومخاطبة الوجدان.

بل قد يستغني المحاور عن الدلائل العقلية، ولا يمكنه بأية حال أن يستغني عن المثيرات العاطفية؛ إذ هي من أعظم الأدوات التي تعينه على التأثير في السامعين.([23])

فالجوانب العاطفية الوجدانية لها دور كبير في الحوار وغيره، فكثير من المحاورين يغفل هذا الجانب ولا يأبه به.

وهذا خلل يحسن بالمُحَاوِر أن يتجنبه؛ ففي بعض الأحيان قد لا ينفع المنطق والبرهان، وإنما يجدي التودد والإحسان.

فحينئذٍ أَلْق عصا المنطق والبيان، واحمل راية الشفقة والحنان؛ حينها تَخْطِب الودَّ، وتستولي على الأمد.

فكثيراً ما تبدأ المناقشة أو المحاورة، وروح العداوة تسيطر على أحد الطرفين.

فإذا ما دفع الآخر بالتي هي أحسن انقلبت العداوة إلى مودة، والبغضة والوحشة إلى محبة وألفة.([24])

فحري بالمحاور أن يكسب صاحبه، وأن يخطب ودَّه في كل مناسبة تسنح له؛ فيثني عليه إذا أجاد، ويسلِّم له إذا أصاب، ويرده إلى الصواب بلطف إذا هو أخطأ، ويذكر مزاياه في حضوره وغيبته، ويبادر بالهدية والزيارة إذا أحَسَّ نفرة منه بعد الحوار.

وهذه الأمور ليس بالسهل تحصيلها، ولا ليس بمقدور كل إنسان نيلُها، بل تحتاج إلى توفيق، وتدريب، وصبر، وشجاعة [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] (فصلت: 35).

والأمثلة من السيرة النبوية على إثارة العواطف، ومخاطبة الوجدان كثيرة، ومنها ما يلي:

أ_ جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد÷ أن رسول الله" قال: =لأعطين الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله+.

فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله" كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: =أين علي بن أبي طالب؟+.

فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: =فأرسلوا إليه+ فأتي به، فبصق رسول الله" في عينيه، ودعا له، فبرئ؛ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، قال علي÷: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: =انْفُذْ على رِسْلِك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله _تعالى_ فيه؛ فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم+([25]).

ففي هذا الحديث إثارة للعواطف؛ حيث بات الصحابة بعد سماع تلك المقدمة المشوقة يدوكون في شأن من سينال ذلك الشرف، وفيه تنويه بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب÷ وفيه دروس لأدب الحوار مع المخالف ولو كان حربياً؛ حيث بَيَّن النبي" لعلي كيف يحاور، ويدعو قبل بداية المعركة.

ب_ ما جاء في الصحيحين أن رجلاً جاء إلى سهل ابن سعد فقال: هذا فلان لأمير المدينة، يدعو علياً عند المنبر قال: فيقولُ ماذا؟ قال: يقولُ له أبو تراب؛ فضحك، وقال: والله ما سماه إلا النبي" وما كان له اسمٌ أحبَّ إليه منه، فاستطعمت الحديث سهلاً، وقُلت: يا أبا عباس كيف ذلك؟ قال دخل عليٌ على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد، فقال النبي": =أين ابن عمّك؟+ قالَت: في المسجد.

فخرج إليه، فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وخَلَص التُّراب إلى ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول: =اجلس يا أبا تُراب مرتين+.([26])

ففي هذا الحديث بيان لعاطفة النبي" الفياضة، التي يدخل بها السرور على أصحابه وآل بيته؛ حيث كناه بتلك الكنية التي صارت أحب أسمائه إليه.

هذا وقد مر، وسيمر شيء من ذلك القبيل.

5_ استعمال أسلوب النداء، ومناداة المحاوَر بما يحب: فإن ذلك يشد الانتباه، ويستدعي الإجابة، ويجدد النشاط، ويبعث على التقرب من المحاوَر سواء كان فرداً أو جماعة.

ولقد تكرر هذا المعنى في السنة كثيراً، ومرَّ شيء من ذلك فيما مضى.([27])

ومما ورد في ذلك الشأن ما يلي:

قال _عليه الصلاة والسلام_: =أيها الناس اربعوا على أنفسكم+.([28])

وقال: =أيها الناس إليَّ+.([29])

وقال: =أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي+.([30])

وقال: =أيها الناس تصدقوا+.([31])

وقال: =أيها الناس عليكم بالسكينة+.([32])

وقال: =أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو+.([33])

وقال: =يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج+.([34])

وقال: =يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب؟+.([35])

وقال: =يا معشر النساء تصدقن+.([36])

وقال: =يا معشر يهود أسلموا تسلموا+.([37])

6_ حسن الختام للحوار: فختام الشيء هو آخر ما يلقيه المحاور، ولذلك أثره البالغ؛ إذ هو آخر ما يعلق بالنفس، وأكثر ما يتصل بالقلب؛ فإن كان وقعه حسناً انسحب ذلك على الحوار، وإلا ساء الأثر، أو قلت الفائدة المنشودة.

ولقد كانت حوارات النبي" تختم بأحسن ما يكون من جمال العبارة، وإصابة الغرض، وتحريك العاطفة، وحسن التعليل.

ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

أ_ ما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك÷ قال:

جاء رجل إلى رسول الله" فقال: يا رسول الله متى الساعة؟

قال: =وما أعددت للساعة+.

قال: حب الله ورسوله.

قال: =فإنك مع من أحببت+.

قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام فرحاً أشد من قول النبي": =فإنك مع من أحببت+.

قال أنس: فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر؛ فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم+.([38])

فانظر إلى هذا الحوار اللطيف، وكيف ختم بتلك الخاتمة التي أشبعت رغبة ذلك السائل، وجرت مجرى الأمثال.

ب _ ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله": =عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل، والرجلان، والنبي ليس معه أحد؛ إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى" وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض، فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب.

فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله".

وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، ولم يشركوا بالله، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله" فقال: =ما الذي تخوضون فيه؟+ فأخبروه.

فقال: =هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون+.

فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: =أنت منهم+.

ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: =سبقك بها عكاشة+([39]).

وهكذا ختم _عليه الصلاة والسلام_ ذلك الحوار، وسد الباب بكل لطف وأدب بتلك الكلمة العظيمة؛ فلم يرد أن يفتح الباب؛ لِيَعْسُرَ سَدُّه، وأكرم عكاشة بتلك البشارةِ؛ لفضله، ولمبادرته، ولم يرد جرح شعور السائل بكلمة تشعره بأنه ليس من هؤلاء، وإنما قال: =سبقك بها عكاشة+.

فَجَرتْ تلك الكلمة العظيمة مجرى الأمثال إلى يومنا هذا.

ج_ ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ÷ قال: =بعثني النبي" أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! إن شراباً يصنع بأرضنا يقال له: المِزرُ من الشعير، وشراب يقال له: البِتْع من العسل.

فقال: =كل مسكر حرام+.

وفي رواية قال أبو موسى: =وكان رسول الله" أعطي جوامع الكلم بخواتمه+([40]).

وهكذا ختم _ عليه الصلاة والسلام _ حواره مع أبي موسى بتلك الخاتمة التي أصبحت قاعدة من أعظم القواعد في الأشربة.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر الخطابة ص79.

[2] _ كتاب الصناعتين ص 437.

[3] _ انظر أدب الموعظة ص67_68.

[4] _ البخاري (4330 و 7245) ومسلم (1061).

[5] _ مسلم (2581).

[6]_ البخاري (5967، و6267، و6500) ومسلم (30).

[7]_ انظر الحوار لزمزمي ص129.

[8] _ انظر أدب الموعظة ص71.

[9] _ أخرجه البخاري (3567) ومسلم (2493).

[10] _ أخرجه البخاري (3568) ومسلم (2493).

[11] _ 4_ فتح الباري 6 / 669.

 

[13] _ أبو داود (4839) وقال الألباني في صحيح الجامع (4826): =حسن+.

[14] _ أبو داود (4838) وقال الألباني في صحيح الجامع (4823): =حسن+.

[15]_ الترمذي (3639) وقال: =هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الزهري+.

[16] _ انظر محمد رسول الله ص 185، والخطابة للشيخ محمد أبو زهرة ص66.

[17] _ البخاري (94).

[18] _ البخاري (95).

[19] _ البخاري (96) ومسلم (241).

[20] _ البخاري (2586).

[21] _ رواه البخاري (1742).

[22] _ رواه مسلم (1159).

[23] _ انظر الخطابة ص 53.

[24]_ انظر في أصول الحوار ص75.

[25] _ البخاري (3701) ومسلم (2406).

[26] _ البخاري (3703) ومسلم (2409).

[27] _ انظر أدب الموعظة ص86_87.

[28] _ رواه البخاري (6384).

[29] _ رواه البخاري (927).

[30] _ رواه البخاري (917).

[31] _ رواه البخاري (1462).

[32] _ رواه البخاري (1671).

[33] _ رواه البخاري (2966).

[34] _ رواه البخاري (5065).

[35] _ رواه البخاري (7523).

[36] _ رواه البخاري (304 و 1462).

[37] _ رواه البخاري (6944).

[38] _ البخاري (3688)، ومسلم (2639).

[39] _ البخاري (5705) ومسلم (220).

[40]_ البخاري (3038، و4343) ومسلم (1733).