Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

عن أبي هريرة أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قالوا فما المسكين يا رسول الله قال الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئا. متفق عليه .

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
hiwar2_thumbnail.jpg

تمهيد: في حسن البيان النبوي

لا يمتري عاقل في أن للأسلوب مكانته العليا في الحوار؛ فإذا كان المحاور ذا أسلوب حسن، وتفننٍ في عرض أفكاره _ كان ذلك أدعى لقبول ما يطرحه، ويدعو إليه، والعكس.

ولا ريب أن حسن البيان، وفصاحة المنطق، وبلاغته _ من ضروب العظمة الحاملة على إجلال صاحبها، وأنها من أعظم المقومات لنجاح الحوار، ومن أمضى أسلحة المحاور، وأدعى الأسباب لقبول الحق؛ ذلك أن العمل على إنقاذ النفوس من أودية الغواية، والإقبال بها على مطالع السعادة مسلك وعر، ولا يمر فيه على استقامة تامة إلا من بلغ في صناعة البيان أمداً قصياً.

ولا يكفي في المحاورة أن يكون في يد القائم بها حجة، أو موعظةٌ يلقيها في أي صورة شاء؛ ذلك أن المخاطبين يختلفون ذوقاً، وثقافةً، واختلافَ زمنٍ وبيئةٍ.

ومن اللائق أن تصاغ دعوةُ كلِّ طائفةٍ في أدب يليق بأذواقها وثقافتها.

وقد تكون معانيْ الحوار حاضرةً في ذهن الشخص، ولا يجد في نفسه تأثراً بها، حتى إذا عُرِضت عليه تلك المعاني في أسلوب بارع وقعت منه موقع الإعجاب، حتى لكأنها معانٍ جديدةٌ لم يسبق له بها علم. ([1])

فلا غرو_إذاً_أن ترى الرجلين يلقيان حواراً في باب واحد، وفي غرض واحد وبينهما في التأثير ما بين السماء والأرض، وربما كان ذلك بسبب أسلوب العرض؛ فترى أن نفوس الناس قد أقبلت على أحدهما، وأساغت حواره إساغة الظمآن للماء القراح، وتراها جَفَتْ وجفلت عن محاورة الآخر؛ فزلَّت عن القلوب كما زلت الصفواء بالمتنزَّل.

ثم إن نفراً من الناس غير قليل يستهويهم رونقُ الألفاظ أكثر من حكمة معانيها؛ فلا ينبغي أن يُسْتَخَفَّ بهؤلاء، وأن يتركوا لِعُصْبة المضلين يعرضون عليهم الآراءَ المنحدرةَ في شقاء.

وإذا لم يكن لأولئك المضلين سبيلٌ على المستضعفين سوى أنهم يحبِّرون لهم القول تحبيراً _فمن الميسور على دعاة الإصلاح أن يسابقوهم في مضمار البراعة؛ فإنهم متى ألبسوا الدعوة إلى الحق والفضيلة أساليب بديعة أحرزوا الغاية، وأنقذوا أولئك المستضعفين من ضلال بعيد.([2])

ولا يعني ذلك أن يتكلف المحاور السجع، ويتحرى دقائق الإعراب، ووحشيَّ اللغة، وأن يقْصِد إلى التشدق، والتقعر.

وإنما المقصود أن يلبس حواره ثوباً جميلاً يُفهم، ويستحسن، ويقع موقعه في القلوب.([3])

وغير خاف أن النبي" قد بلغ الذروة في ذلك الشأن؛ فقد أحرز من خصلتي الفصاحةِ والبلاغةِ الغايةَ التي ليس وراءها لمخلوق غاية، فانظروا _إن شئتم_ إلى حواراته وخطبه، وما يضربه من الأمثال، وينطق به من جوامع الكلم تجدوا جزالة اللفظ، ومتانة التركيب، وسهولة المأخذ، إلى رفعة الأسلوب، إلى حكمة المعنى.([4])

أما حديثك في العقول فَمَشْرَعٌ

 
 والعلم والحِكَمُ الغوالي الماءُ

 
هو صبغة الفرقان نفحةُ قدسه

 
 والسين من سوراته والراء

 
جَرتِ الفصاحةُ من ينابيع النهى

 
 من دَوْحِهِ وتفجَّر الإنشاء

 
في بحره للسابحين به على

 
 أدب الحياة وعلمها إرساءُ([5])

 

قال القاضي عياض×: =وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول فقد كان" من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، وفصاحة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخصَّ ببدائع الحكم+.([6])

ولقد كان"ينوِّع في الأساليب، ويراعي مقتضيات الأحوال، ويستخدم أنواع التأثير التي سبقت كثيراً من النظريات والدراسات الحديثة في فن الحوار، والإلقاء، والتأثير في الناس.

ولو انبرى دارس لجمع شيء من ذلك لظفر بما لا يخطر بالبال من تلك المادة.([7])

هذا وسيأتي مزيد بيان لذلك في المباحث التالية.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر الدعوة والإصلاح ص25_26، و65.

[2] _ انظر الدعوة والإصلاح ص 53_ 54.

[3] _ انظر أدب الموعظة للمؤلف ص63_67.

[4] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص206.

[5] _ الشوقيات لأحمد شوقي 1/37.

[6] _ الشفا 1/95_96، وانظر أعلام النبوة للماوردي ص266.

[7] _ انظر الرحمة والعظمة في السيرة النبوية للمؤلف ص138_139.