Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي) متفق عليه. وفي رواية: (فليظن بي ما شاء).صححه ابن حبان. ومن ذلك: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن العطاء عند السؤال.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
hiwar2_thumbnail.jpg

 للحوار الناجح الراقي آداب لا بد منها، وللمحاور البارع المؤثر آداب يحسن أن يتحلى بها.

وتلك الآداب تكاد ترجع إلى إقبال المحاور على صاحبه، ورفعه من شأنه، وإحسانه إليه، وحذره مما ينافي ذلك.

فهذه الآداب المجملة، وما يندرج تحتها تمثل آداب الحوار، وما ينبغي أن يكون عليه المحاور.

ولقد كان النبي" يأخذ بتلك الآداب في حواراته مع كافة الطبقات.

وهذا ما سيتبين في المباحث التالية.

 

المبحث الأول: إقباله " على محاوريه

الإقبال على المحاور من أعظم آداب الحوار وأهمها، ويتمثل ذلك بأمور كثيرة، يأتي على رأسها: التواضع للمحاور، وحسن الاستماع له، والإصغاء إليه، وترك مقاطعته، والتشاغل عنه.

وهذه الآداب من جملة ما كان يأخذ به النبي" في حواراته.

وفيما يلي بيان لتلك الآداب بشيء من البسط.

أولاً: تواضعه " لمحاوريه: فالتواضع للمحاور من أعظم آداب المحاور وأسباب نجاحه، والتعالي على المحاور، والاستخفاف به من أشد آفات الحوار وأسباب إخفاقه؛ فمن الناس من إذا حاور غيره تعالى عليه، وأزرى به، وربما أشعره _ولو من طرف خفي_ أنه أعلى منه رتبة، وأرفع مقاماً.

والتعالي على الآخرين دليل السفه، وآية نقص العقل، وإلا فالكريم العاقل يرفع من شأن الآخرين، ولا يترفع أو يتعالى عليهم.

قال ابن المقفع: =تَحَفَّظْ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطِبْ نفساً عن كثيرٍ ممما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مداراةً؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم+.([1])

وقال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي×: =واحذر غاية الحذر من احتقار من تجالسه من جميع الطبقات، وازدرائه، والاستهزاء به قولاً، أو فعلاً، أو إشارةً أو تصريحاً، أو تعريضاً؛ فإن فيه ثلاثةَ محاذير:

أحدها: التحريم، والإثم على فاعل ذلك.

الثاني: دلالته على حمق صاحبه، وسفاهة عقله، وجهله.

الثالث: أنه باب من أبواب إثارة الشر، والضرر على نفسه+.([2])

ولقد كان النبي" متجافياً عن هذا الخلق الذميم، بل كان إمام الخاشعين المتواضعين للحق وللخلق.

وجميع حواراته شاهدة بالتواضع، وترك الترفع.

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومنها ما يلي:

1_ ما جاء في صحيح البخاري عن أنس ابن مالك÷ قال: =إن كانت الأَمَةُ من إماء أهل المدينة لَتَأْخُذُ بيد رسول الله" فتنطلق به حيث شاءت+.([3])

فهذا الفعل من نبي الأمة وإمامها غاية في التواضع وخفض الجناح.([4])

ولك أن تتصور ما يدور في ذلك الحوار؛ إذ إن اهتمامات تلك الأَمَةِ لا يمكن أن ترتقي بحال إلى أن تتجاوز كلمة قيلت في حقها، أو سؤالاً ربما أقلقها وهو لا يحتل كبير شأن.

ومع ذلك يتواضع لها هذا النبي الأكرم _عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم_.

يقول ابن حجر× في تعليقه على الحديث: =وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع؛ لِذِكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة.

وحيث عَمَّم بلفظ =الإماء+ أي أمة كانت، وبقوله: =حيث شاءت+ أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف، ولو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست في مساعدتها في تلك الحاجة المساعد على ذلك.

وهذا دال على مزيد تواضعه، وبراءته من جميع أنواع الكبر+.([5])

2_ ما أخرجه مسلم عن أنس÷ أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجةً، فقال: =يا أم فلان انظري إلى أي السكك شئت، حتى أقضي لك حاجتك+ فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها+.([6])

ولسائل أن يقول: ماذا تريد تلك المرأة؟.

وما مدى اهتماماتها؟ وهل عند النبي" فراغ حتى يصرفه في محادثة تلك المرأة التي في عقلها شيء؟

هذه أسئلة قد تدور في ذهن من لا يدرك تلك النفس الواسعة، وذلك القلب الكبير الذي وسع الناس بحلمه وكرمه، فكان لصغار الأمور وكبارها.

وفي ذلك درس لمن يأنف من محادثة تلك الطائفة من الناس من ذوي المدارك الصغيرة؛ فيفوته بذلك بركةُ التأسي، ويُحرَمُ الرحمةَ والنصر اللذين يُسْتَجلبان بسبب أولئك الضعفاء.

3_ ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي رفاعة قال: انتهيت إلى النبي" وهو يخطب قال: فقلت: يا رسول الله! رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه.

قال: فأقبل علي رسول الله" وترك خطبته حتى انتهى إلي، فَأُتِيَ بكرسي حَسِبْتُ قوائمَهُ حديداً.

قال: فقعد عليه رسول الله" وجعل يعلمني مما علمه الله، ثم أتى إلى خطبته، فأتم آخرها+.([7])

فانظر إلى هذا الإقبال، وذاك التواضع؛ حيث ترك خطبته، وجعل يجيب ذلك السائل مع أنه غريب؛ فأي تواضع أعظم من ذلك؟!

قال النووي × معلقاً على ذلك: =فيه استحباب تلطف السائل في عبارته، وفيه تواضع النبي" ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم+.([8])

فهذا حاله _عليه الصلاة والسلام_ في حواراته؛ وتلك شمائله وأخلاقه؛ فأجدر بأتباعه أن يجعلوا هذا الأدب مَعْلَماً لهم في حياتهم، وسمة بارزة في حواراتهم؛ ليفتحوا بذلك قلوبَ محاوريهم، وليصلوا إلى مقصودهم في هداية الناس وإرشادهم؛ إذ المحاور الذي يأمل هداية الخلق أجدرُ الناس بالبعد عن الكبر بشتى صوره؛ فإن الكبر من أعظم ما يصد عن الحق؛ فالطرف الآخر إذا رأى من محاوره ازدراءً أو تعالياً بالقول أو الفعل _ نفر منه، وكره ما عنده من الحق؛ لأن النفوس جبلت على محبة المتواضعين، وكراهية المتكبرين.([9])

وسيأتي مزيد بيان لذلك في مباحث آتية.

ثانياً: إصغاؤه" وحسن استماعه لمحاوريه: فالإصغاء للمتحدث، وحسن الاستماع للمحاور من أعظم آداب الحوار، ومن أكثر ما يَتَحَدَّثُ عنه مَنْ يتكلم في الحوار أو يُؤَلِّف فيه؛ فلا تكاد تجد مُؤلفاً في الحوار أو أدب الحديث إلا ويذكر في مقدمة آدابِه الإصغاءَ، وحسنَ الاستماع سواء كان ذلك من المتقدمين أو المتأخرين، ولا تكاد تجد من يتحدث عن آفات الحوار، أو المحادثة إلا وتجد ذَمَّ مَنْ لا يصغي لمحاوره أو محدثه، إما بمقاطعته، أو منازعته الحديث، أو بالتشاغل عنه، أو متابعة متحدث آخر، أو إجالة النظر يمنة ويسرة إلى غير ذلك مما ينافي أدب الحديث والحوار.

ولهذا تتابعت الوصايا في الحث على أن يحسن الإنسانُ الأدبَ مع محاوره، ومن يَتَقَصَّدُه بالحديث؛ فمن أدب المروءة حسن إصغاء الرجل لمن يحدثه؛ فإن إقباله على محدثه بالإصغاء إليه يدل على ارتياحه لمجالسته، وأنسه بحديثه.([10])

بل إن المتحدث البارع هو المستمع البارع، وبراعة الاستماع تكون بالأذن، وطرف العين، وحضور القلب، وإشراقة الوجه.([11])

قال ابن عباس _رضي الله عنهما_: =لجليسي عليَّ ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأن أوسع له في المجلس إذا جلس، وأن أصغي إليه إذا تحدث+.([12])

وقال عمرو بن العاص ÷: =ثلاثة لا أَمَلُّهم: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ودابتي ما حملت رجلي+.([13])

وقال سعيد بن العاص: =لجليسي عليَّ ثلاث: إذا أقبل وسَّعْتُ له، وإذا جلس أقبلت إليه، وإذا حَدَّثَ سمعتُ منه+.([14])

وقال الحسن: =إذا جالست فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتَعَلَّمْ حسن الاستماع كما تَعَلَّمُ حسن القول، ولاتقطع على أحد حديثه+.([15])

وقال أبو عباد: =للمحدِّث على جليسه السامع لحديثه أن يجمع له باله، ويصغي إلى حديثه، ويكتم عليه سره، ويبسط له عذره+.([16])

=وذكر رَجلٌ عبدَالملك بن مروان فقال: إنه آخذ بأربع، تارك لأربع: آخذ بأحسن الحديث إذا حَدَّث، وبأحسن الاستماع إذا حُدِّث، وبأحسن البشر إذا لُقي، وبأيسر المؤونة إذا خولف.

وكان تاركاً لمحادثة اللئيم، ومنازعة اللجوج، ومماراة السفيه، ومصاحبة المأبون([17])+.([18])

=وذكر الشعبيُّ قوماً، فقال: مارأيت مثلهم أشدَّ تناوباً في مجلس، ولا أحسن فهماً من محدث+.([19])

ولقد كان النبي" أحسن الناس إصغاءً وحسنَ استماعٍ لمحاوريه؛ ولا تجد في محاوراته شيئاً مما ينافي ذلك الأدب.

بل لقد وصفه ربه _جل وعلا_ بأحسن وصف من هذه الناحية؛ فقال _عز وجل_ عن نبيه حين أراه ما أراه عندما عُرج به إلى السماء، وكلمه ربه: [مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى] (النجم:17).

قال ابن القيم×: =إن هذا وصفٌ لأدبه" في ذلك المقام؛ إذ لم يلتفت جانباً، ولا تجاوز ما رآه، وهذا من كمالِ الأدب.

والإخلالُ به أن يلتفت الناظر عن يمينه وعن شماله، أو يتطلع أمام المنظور؛ فالالتفات زيغ، والتطلع إلى ما أمام المنظور طغيان ومجاوزة؛ فكمال إقبال الناظر على المنظور ألا يصرف بصره عنه يمنة ولا يسرة، ولا يتجاوزه.

هذا معنى ما حصلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_+.([20])

إلى أن قال ابن القيم×: =وفي هذه الآية أسرار عجيبة، وهي من غوامض الأدب اللائقة بأكمل البشر".

تواطأ هناك بصره وبصيرته، وتوافقا، وتصادقا فيما شاهده بصره؛ فالبصيرة مواطئة له، وما شاهَدَتْهُ بصيرتُه فهو _ أيضاً _ حق مشهودٌ بالبصر؛ فتواطأ في حقه مشهد البصر والبصيرة.

ولهذا قال _ سبحانه وتعالى _: [مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12)]النجم.

أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره+.

إلى أن قال: =وهذا غاية الكمال والأدب مع الله الذي لا يلحقه فيه سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت في مقام عالٍ رفيع أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفَوْقَه؛ ألا ترى أن موسى" لما أقيم في مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية؟

ونبينا " لما أقيم في ذلك المقام وفّاه حقه؛ لم يلتفت بصره ولا قلبه إلى غير مايقيم فيه البتة+.([21])

فهذا حاله _عليه الصلاة والسلام_ مع ربه لما عرج به إلى السماء، وهذا وصف ربه _جل وعلا_ له.

وأما أدبه مع الناس في حال محاورتهم _ فكان السماءَ التي لا تطاولها سماء؛ من جهة كمال الأدب، وحسن الإنصات، والإصغاء.

والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد مضى شيء منها، وسيأتي مزيد لها في الفقرة التالية وغيرها من فصول هذا البحث.

ثالثاً: إعطاؤه" محاورَه الفرصة الكافية: وهذا أدبٌ راقٍ، وعامل من أعظم عوامل نجاح الحوار.

وإن التفريط به لآفةٌ من آفات الحوار؛ فمن الناس من إذا سمع متحدثاً يتحدث في مجلس، وبدر من ذلك المتحدثِ خطأٌ يسيرٌ أو نحو ذلك_سفَّهه، وبكَّته، واستخف بحديثه دون أن يسمع بقية كلامه، أو يعطيه فرصة لإبداء وجهته.

ومن هذا القبيل ما يوجد عند بعض الناس؛ فما إن يتكلم أحد في مجلس إلا وتبدأ بينهم النظرات المريبة، التي تحمل استخفافاً وسخرية بالمتحدث.

وهذا الصنيع لا يحسن أبداً، وليس من صفات عظماء الرجال وأكابرهم؛ فهم يُجلّون من يحاورهم ويحدثهم، ولا يرضون بإهانته في حضرتهم طالما أنه لم يَحِدْ عن الرشد، حتى ولو أخطأ؛ فإنهم يتغاضون عن خطئه، ويتعامون عن زَلَّتِه.

وإذا ما كان الخطأ كبيراً فإنهم يبينون الخطأ، ويرشدون إلى الصواب بأجمل عبارة، وألطف إشارة.

ومن مظاهر قلة إعطاء الفرصة الكافية للمحاور ما تجده من بعض الناس؛ فتراه إذا تحدث أحد أمامه بحديث، أو قصة، أو خبر، وكان يعلم ذلك من قبل _ بادر إلى إكمال ذلك عن المتحدث، إما بقصد الإساءة إليه، أو لإشعاره وإشعار السامعين بأن حديثه معاد مكرور، أو ليبين أنه يعلم ذلك من قبل([22]).

وهذا ليس من صفات ذي المروءة؛ إذ المروءة تقتضي الإنصاتَ للمتحدث ولو كنت تعلم حديثه من قبل، وإلى هذا المعنى الجميل يشير أبوتمام بقوله:

من لي بإنسان إذا أغضبته

 
 وجهلت كان الحلمُ ردَّ جوابِه

 

 
 
وتراه يصغي للحديث بسمعه

 
 وبقلبه ولعله أدرى به([23])

 

 
 

ومن مظاهر عدم إعطاء الفرصةِ القيامُ من المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ فهذا من قلة الأدب، ومما ينافي إكرام الجليس، فلا يسوغ للمرء أن يقوم عن المتحدث قبل أن يكمل حديثه؛ لما في ذلك من استجلاب الضغينة، واحتقار المتحدِّث إلا إذا احتاج السامع للقيام، واستأذن من محدِّثه_فهنا ينتفي المحذور.

قال أبو مجلز: =إذا جلس إليك رجل يَتَعَمَّدُك فلا تقم حتى تستأذنه+.([24])

وقال أسماء بن خارجة: =ما جلس إليَّ رجل إلا رأيت له الفضل عليَّ حتى يقوم عني+.([25])

ومن مظاهر عدم إعطاء الفرصة المبادرة إلى تكذيب المحاور؛ فمن الناس من إذا طَرَقَ سَمْعَهُ من محاوره كلامٌ غريبٌ من متحدِّث ما _ بادر إلى تكذيبه، وتفنيد قوله، إما تصريحاً، أو تلميحاً، أو إشارةً باليد أو العين، أو أن يهمز من بجانبه؛ ليشعره بأن المتحدِّث كاذب.

فهذا العمل من العجلة المذمومة، ومن إساءة الظن بمن يتحدّث، وهو مما ينافي كمال الأدب والمروءة.

فينبغي لمن استمع حديثاً من أحد ألا يبادر إلى تكذيبه، بل عليه أن يُنصت له، وإن رأى في هذا الحديث وجهَ غرابةٍ فلا يستعجل الحكمَ عليه بالكذب، بل يستفصل من المتحدِّث، لعله يُبين له وجهته وأدلته.

ثم إن تأكد من كذبه فلينصح له على انفراد؛ لئلا يعاود الكذب مرةً أخرى.

فإن عاد إليه، واقتضت المصلحة أن يُبيَّن كذبه_فلا بأس حينئذ من ذلك؛ حتى يرتدع من تلك الخصلة الذميمة.

فهذه بعض المظاهر لعدم إعطاء المحاورِ الفرصةَ الكافية، مما يجعل أكثر الحوارات لا تجدي نفعاً، ولا تعود بعائدة.

أما حوارات النبي" فكانت أعظم مثال لذلك الأدب، وهو حسن الإنصات، وإعطاء المحاور الفرصة الكافية.

وإليك هذا المثال من السيرة النبوية الشريفة، وهو مثال عظيم يشتمل على دروس كثيرة في أدب الحوار؛ فقد حكى محمد بن كعب القرظي قائلاً: حدثت أن عتبة ابن ربيعة _وكان سيداً_ قال يوماً وهو جالس في نادي قريشٍ ورسولُ الله" جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا _وذلك حين أسلم حمزة÷ ورأوا أصحاب رسول الله" يزيدون، ويكثرون_.

فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة؛ حتى جلس إلى رسول الله" فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السطة([26]) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعِبْتَ به آلهتَهم، ودينَهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول الله": =قل يا أبا الوليد أسمع+.

قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا؛ حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا؛ حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به مُلْكاً مَلَّكْناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّاً([27]) تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء، وبذلنا فيه أموالنا؛ حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع([28]) على الرجل، حتى يُداوى منه، أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله" يستمع منه، قال: =أفرغت يا أبا الوليد؟+ قال: نعم، قال: =فاستمع مني+ قال: أَفْعَلُ، قال: =بسم الله الرحمن الرحيم [حم (1) تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)] (فصلت) ثم مضى رسول الله" فيها، وهو يقرؤها عليه.

فلما سمع عتبةُ أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره، معتمداً عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله" إلى السجدة منها، فسجد، ثم قال: =قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك+.

فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم، قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد، قال: ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر، ولا بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني، واجعلوها لي خَلَّوا بين الرجل وبين ما هو فيه؛ فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ؛ فإن تُصِبْهُ العربُ فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهرْ على العرب فَملْكُه ملككُم، وعزُّه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.

قالوا: سحرك _والله_ يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم([29]).

ففي هذه القصة دروس عظيمة، وأصول نافعة، وآداب جليلة في باب الحوار، ولو استرسل الحديث في شأنها لطال المقام.

والذي يعنينا في هذا الصدد، أن الرسول الكريم" أحسن الاستماع لعتبة، وقال له: =قل يا أبا الوليد أسمع+.

وظل عتبة بن ربيعة يتكلم بلغة المتعالي بهذا الكلام المتهافت الذي يثير الغضب، والذي حَشْوُه التهم الباطلة، والاحتمالات السخيفة التي لو وجهت لأحد من الناس لثارت ثوائره _وحق له_ ولم يسمح لمن واجهه بها أن يكمل حديثه.

ومع ذلك ظل النبي" منصتاً طيلة الحديث، ويسمع بغاية الاهتمام دون مقاطعة، أو إسكات لعتبة، أو احتقار أو تكذيب له، أو قيام عنه.

ولم يكتف _عليه الصلاة والسلام_ بذلك، وإنما قال له بعد أن فرغ عتبة من حديثه: =أو قد فرغت يا أبا الوليد؟+ قال: نعم.

وهنا تلحظ الأدب النبوي العظيم؛ فلم يبدأ _عليه الصلاة والسلام_ حديثه بمجرد سكوت عتبة، وإنما سأله حتى يطمئن إلى أنه قد أفرغ ما في جَعْبته، وأنه قد أخذ فرصته كاملة؛ فلربما يكون قد نسي شيئاً، أو غفل عنه.

فلما استيقن _عليه الصلاة والسلام_ من فراغه مما لديه _ بدأ التلاوة.

وهذا قمة الأدب، وغاية الذوق؛ حيث هيأ الطرف الآخر للاستماع.

ثم لما انتهى سجد، وقال لعتبة: =قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك+.

أي أنت وما تختاره؛ فلم يَفْرض عليه أمراً معيناً، وإنما وكله إلى عقله.

فماذا كان من عتبة لما قوبل بهذا الأدب الجميل، وسمع النبي" يُكَنِّيه في أول الحوار وآخره بهذا الخطاب الراقي =يا أبا الوليد+؟

ولا شك أن مناداة الإنسان بكنيته معنى محبب للنفس؛ لما فيه من التقرب، والتآلف، والإشعار بالرضا؛ فماذا كان من عتبة؟

لقد أثرت فيه تلك المعاملة، وتسلل ذلك الخطاب العالي إلى سويداء قلبه؛ فرجع إلى قومه متثاقل الخطى، متأثراً بما سمع؛ فقرأ أصحابه التَغَيُّر في قسمات وجهه؛ فجاء إليهم، وقال لهم ما قال، وصار يدعوهم إلى الحياد في شأنه؛ فإن ظهر وعز فذلك له ولقومه، وإن ظهر عليه العرب فقد كفي قومُه حربه؛ لذلك قال له قومه: =لقد سحرك يا أبا الوليد+.

فهذا الموقف العظيم يحمل في طياته دروساً وعبراً وهي أن يحسن المحاور الاستماع، ويصبر على صاحبه، ثم يجيب بلغة الواثق الهادئ، لا المتزعزع المتضعضع المضطرب.([30])

وليس هذا هو المثال الوحيد؛ بل هو قطرة من بحر، وسيأتي قريباً من ذلك موقفه _عليه الصلاة والسلام_ مع زعيم المنافقين عبدالله بن أُبَي بن أبي سلول، ومع غيره من محاوريه.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1]_ الأدب الصغير والأدب الكبير ص134.

[2]_ الرياض الناضرة ص419.

[3]_ البخاري (6072).

[4]_ انظر الحوار آدابه وضوابطه ليحيى زمزمي ص 165.

[5]_ فتح الباري 1 / 490.

[6]_ مسلم (2326).

[7]_ مسلم (876).

[8]_ صحيح مسلم بشرح النووي 6 / 165.

[9]_ انظر الحوار للزمزمي ص 168.

[10]_ انظر رسائل الإصلاح1/212.

[11]_ انظر كيف تحاور د.طارق الحبيب ص21.

[12]_ عيون الأخبار1/306.

[13]_ عيون الأخبار1/307.

[14]_ المنتقى من مكارم الأخلاق للخرائطي، انتقاء أبي الطاهر السلفي ص54.

[15]_ المنتقى من مكارم الأخلاق ص155.

[16]_ زهر الآداب للحصري القيرواني 1/195.

[17]_ المأبون: المتهم بالسوء والذي يرمى بالقبيح.

[18]_ عيون الأخبار1/307.

[19]_ عيون الأخبار1/308.

[20] _ مدارج السالكين لابن القيم 2/261.

[21] _ مدارج السالكين 2/362.

[22]_ انظر روضة العقلاء ص72، وصفة الصفوة لابن الجوزي 2/144، وبهجة المجالس 1/43، وتذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة ص156_157، والرياض الناضرة لابن سعدي ص548.

[23]_ شرح ديوان أبي تمام ص30.

[24]_ المنتقى من مكارم الأخلاق ص153.

[25] _ المنتقى من مكارم الأخلاق ص153.

[26] _ السطة: المكانة والمنزلة.

[27] _ يعني بالرَّئي: مَنْ يُخْبِرُ، ويوحي إليه من الجن.

[28] _ يعني به التابع من الجن.

[29] _ انظر سيرة ابن إسحاق 4/187_188، والسيرة النبوية لابن هشام 2/130 _ 131، ودلائل النبوة للبيهقي 2/204 _ 205، والبداية والنهاية لابن كثير 3/63_64.

[30] _ انظر في أصول الحوار 15_16 ومع المصطفى د.سلمان العودة ص271_275.