Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

قال القاضي عياض:وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، وفصاحة لفظ، وجزالة قول، وصحة معانٍ، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخصَّ ببدائع الحكم.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
hiwar2_thumbnail.jpg

ذلك أن من أهم مقومات الحوار الناجح أن تراعى فيه الحقائق الثابتة، والأدلة الصريحة الواضحة، وأن يقوم على أساس من الصدق واليقين لا على مجرد الظنون والأوهام.

والمحاور الصادق المخلص، السليم المقاصد يتثبت في أثناء حواره، ولا يلصق بمحاوره ما ليس فيه، ولا يتمنى خطأه، ولا يلتمس عثرته.

وإذا بدا من محاوره تَصَرُّفٌ مُشكِلٌ، أو كلام محتمل بادر بسؤاله عن قصده حتى يصل إلى اليقين في كل ما يقوله، أو يحكم به.([1])

وعلى هذا الغرار كانت تسير حوارات النبي".

والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، وإليك طرفاً منها.

المثال الأول: ما جاء في قصة حاطب بن أبي بلتعة÷ فقد جاء في الصحيحين عن علي بن أبي طالب÷ قال: =بعثني رسول الله" وأبا مرثد الغنوي، والزبير ابن العوام وكلنا فارس قال: =انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخٍ؛ فإن بها امرأةً من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين+.

فأدركناها تسير على بعير لها _ حيث قال رسول الله" فقلنا: الكتاب، فقالت: ما معنا كتاب، فأنخناها، فالتمسنا، فلم نر كتاباً، فقلنا: ما كذب رسول الله" لَتُخْرِجِنَّ الكتاب، أو لَنُجَرِّدَنَّكِ، فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها _وهي محتجزة بكساء_ فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول الله"فقال عمر: يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين؛ فَدَعْني؛ فلأضربْ عنقه.

فقال النبي": =ما حملك على ما صنعت+؟.

قال حاطب: والله ما بي أن لا أكون مؤمناً بالله ورسوله" أردت أن يكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي، ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله، وماله.

فقال النبي": =صدق، ولا تقولوا له إلا خيراً+.

فقال عمر: إنه قد خان الله، ورسوله، والمؤمنين، فدعني فلأضرب عنقه.

فقال: =أليس من أهل بدر؟+ فقال: =لعل الله اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، أو فقد غفرت لكم+.

فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم([2]).

ولمسلم في روايته يقول _أي علي÷_: بعثنا رسول الله أنا والزبير والمقداد، فقال: =ائتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينةً معها كتاب، فخذوه منها+.

فانطلقنا تَعادَى بنا خيلُنا، فإذا نحن بالمرأة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي كتاب فقلنا: لتخرجِنَّ الكتاب أو لَتُلْقِيَنَّ الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله" فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله" فقال رسول الله": =يا حاطب ما هذا؟!+.

قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله؛ إني كنت امْرَأً ملصقاً في قريش_ قال سفيان: كان حليفاً لهم ولم يكن من أنفسها_ وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، فقال النبي": =صدق+.

فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال": =إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم+.

فأنزل الله _عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ]+(المتحنة:1)([3]).

فهذا حديث عظيم، يشتمل على غرر من العلم، ودرر مما نحن بصدده من أصول الحوار وآدابه، وسيمر بنا إشارات إلى شيء من ذلك غير مرة في هذا البحث.

والشاهد ههنا قوله _عليه الصلاة والسلام_: =ما حملك على ما صنعت+.

وفي الرواية الأخرى: =يا حاطب ما هذا؟+.

ففي هذا الحديث العظيم بيان لشأن التثبت؛ فالنبي" لم يعجل بالحكم على حاطب حتى استدعاه، وحاوره، وسأله، وتثبت من وقوع الحدث، وصحة الخبر؛ ففي هذه الحادثة تم التثبت عن طريق أوثق المصادر ألا وهو الوحي، والمرحلة الثانية هي مرحلة التثبت عن الأسباب التي دفعت إلى ارتكاب الخطأ([4]).

وهذا غاية ما يكون من التثبت في الحوار.

المثال الثاني: ما جاء في الحديث الطويل في قصة توبة كعب بن مالك وصاحبيه _رضي الله عنهم_ وفيه: =وصبَّح رسول الله" قادماً، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس فلما فعل ذلك، جاءه المُخَلَّفون، فجعلوا يحلفون له، ويعتذرون، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فَيَقْبَلُ منهم رسول الله" علانيتَهم، وأيمانَهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله _تعالى_ حتى جئت، فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: =تعال+ فجئت أمشي، حتى جلست بين يديه فقال لي:

=ما خَلَّفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟+.

قال، قلت: يا رسول الله إني _والله_ لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيتُ جدلاً، ولكن _والله_ لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثاً كذباً لترضين عني، وليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديثاً صدقاً تَجِدُ عليَّ فيه إني لأرجو عقباي من الله فيه، ولا والله ما كان لي عذر، والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلفت عنك.

فقال رسول الله": =أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك+.

فقمت، وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله" بما اعتذر به إليه المخلفون، قد كان كافيك ذَنْبَكَ استغفارُ رسول الله" لك+ الحديث([5]).

والشاهد من ذلك قوله" لكعب÷: =ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟+.

حيث تثبت النبي" من سبب تخلف كعب÷.

ولما أخبره كعب بالصدق، وبيَّن له حقيقة الأمر _ أحسن النبي" به الظن، فصدَّقه، وقال له: =فقم حتى يقضي الله فيك+.

المثال الثالث: تثبته" من بني سلمة حين بلغه أنهم يعزمون على الانتقال من ديارهم إلى قرب المسجد.

فعن جابر بن عبدالله _رضي الله عنهما_ قال: =خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سَلِمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله" فقال: =إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد+.

قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك؛ فقال: =يا بني سلمة! ديارَكم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم+([6]).

المثال الرابع: ما جاء في قصة ماعز بن مالك÷ حيث جاء إلى النبي" فقال: =يا رسول الله! طهرني، فقال: =ويحك! ارجع فاستغفر الله، وتب إليه+.

قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله! طهرني، فقال رسول الله": =ويحك ارجع فاستغفر الله، وتب إليه+ قال: فرجع غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهرني، فقال النبي" مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة، قال له رسول الله": =فيما أُطهِّرك؟+ فقال: من الزنى، فسأل رسول الله" =أبه جنون؟+ فَأُخْبِرَ أنه ليس بمجنون، فقال: =أشَرِبَ خمراً؟+ فقام رجل فاسْتَنْكَهَهُ فلم يجد منه ريح خمر، قال: فقال رسول الله": =أزنيت+ فقال: نعم، فأمر به، فرجم، فكان الناس فيه فرقتين، قائل يقول: لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته، وقائل يقول: ما توبةٌ أفضلَ من توبة ماعز إنه جاء إلى النبي" فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة، قال: فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله" وهم جلوس، فسلم، ثم جلس، فقال: =استغفروا لماعز بن مالك+ قال: فقالوا: غفر الله لماعز ابن مالك، قال: فقال رسول الله": =لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم+([7]).

والشاهد واضح من هذا الحديث، حيث تَثَبَّت _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الحوار من صحة قول ماعز بأنواع من التثبت، حيث أرجعه، وأمره بالاستغفار، ثم استعلم منه عن أي شيء يُطهره، ثم سأل عن سلامة عقله من الجنون، ثم سأل هل شرب خمراً، فصار يهذي بما لا يعقل، ثم شُمَّ، فلم يُوجَدْ منه ريحُ خمرٍ، ثم سأله سؤالاً صريحاً: =أزنيت+ فلما اعترف بعد هذه الأنواع من التثبت، وبعد أن ردده النبي" مراراً _ أمر به؛ فرجم، ثم لما اختلف الناس في شأنه، أمرهم بالاستغفار له، وبين لهم صدق توبته؛ فهذا نزر يسير من أمثلة تثبته".

ومن خلالها يتبين لنا شيء من منهجه _عليه الصلاة والسلام_ في هذا الأصل العظيم _ وفي ذلك درس لكل من أراد الحوار، وذلك بأن يلازم التثبت، فلا يتكلم، ولا يحكم، ولا يحاور إلا عن تثبت ويقين؛ فحقيق على المحاور أن يلزم هذا الأصل خصوصاً في المحاورات التي يترتب عليها مصالح ومفاسد، فعليه التأني والتروي، وترك التسرع؛ فذلك أقرب للسلامة، وأبعد عن الندامة.([8])

قال ابن حبان ×: =أنشدني منصور بن محمد الكريزي:

الرفقُ أيمنُ شيءٍ أنت تَتْبَعُه

 
 والخُرق أشأمُ شيء يُقْدِم الرَّجُلا

 
وذو التثبت من حَمْدِ إلى ظَفَرٍ

 
 من يركبِ الرفقَ لا يستحقبِ الزللا([9])

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ انظر أدب الحوار د. سعد الشثري ص28_29.

[2] _ البخاري (3983) ومسلم (2494) وهذا لفظ البخاري.

[3] _ مسلم (2494).

[4] _ انظر الحوار آدابه وضوابطه ص347.

[5] _ رواه البخاري (2757 و 4947 و 3556 و 3889) ومسلم (2769) واللفظ له.

[6] _ رواه مسلم (665).

[7] _ رواه مسلم (1695).

[8] _ انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص154، فتح الرحيم الملك العلام في علم العقائد والتوحيد والأخلاق والأحكام المستنبطة من القرآن للشيخ عبدالرحمن السعدي عناية الشيخ د. عبدالرزاق العباد ص161.

[9] _ روضة العقلاء لابن حبان ص 216.