Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          آخر نظرة

عن أنس بن مالك : أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه ، حتى إذا كان يوم الاثنين ، وهم صفوف في الصلاة ، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة، ينظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك ، فهممنا أن نفتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم ، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف ، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة ، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم : أن أتموا صلاتكم . وأرخى الستر ، فتوفي من يومه .
متفق عليه

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
hiwar2_thumbnail.jpg

يقوم الحوار المنضبط الراقي على أصول عظيمة كثيرة، ويمكن إجمالها بسلامة المقاصد، والتثبت، والعلم بمادة الحوار، ولزوم العدل مع المحاور.

فهذه الأصول، وما يندرج تحتها تعد أعظم أصول الحوار ومقوماته.

وهذه الأصول الرفيعة الشأن تتجلى غاية التجلي في السيرة النبوية الشريفة.

وهذا ما سيتبين في المباحث التالية.

المبحث الأول: سلامة المقاصد في الحوار النبوي

فمن أعظم مقومات الحوار سلامة المقاصد، وتتجلى سلامة مقاصد المحاور في إخلاص نيته، ورغبته في الوصول إلى الحق، وبعده عن الأغراض الشخصية، وإحسانه الظن بمحاوره، وبُعْدِه عن الدخول في نيته، وفرحه بظهور الحق على يد أي أحد.

وهذه المقومات ظاهرة لمن يتأمل سيرة النبي" وفيما يلي بيان لذلك بشيء من البسط:

1_ إخلاص النية في الحوار: وذلك بأن يريد المحاور في حواره وجه الله، والوصول إلى الحق دون أن يريد بحواره إظهار براعته، وإبراز مقدرته، وإفحام أقرانه، ولفت الأنظار إليه، وما إلى ذلك من قوادح الإخلاص.

وهكذا كانت سيرة النبي" فلقد كان أشد الناس إخلاصاً لربه في حواراته وشتى شؤونه؛ كيف لا يكون كذلك وهو الذي أوحى إليه ربه [لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ (65)] (الزمر).

وأوحى إليه [بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ (66)] (الزمر).

وأوحى إليه [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] (البينة:5).

كيف لا يكون كذلك وهو القائل: =إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى+([1]).

كيف لا يكون كذلك وهو الذي يروي عن ربه قوله _عز وجل_: =أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملاً فأشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك+([2]).

قال الله _تعالى_: [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ] (سبأ:46).

فهذه الآية وضعت مقومات الحوار، وأصوله، وشروط الانتفاع به.

وأول أصل ذكر في هذه الآية هو الإخلاص في قوله _عز وجل_: [أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ].

أي تقوموا لله وحده؛ فيكون الباعث لكم إرادة وجه الله دون من سواه، فهذا هو الإخلاص، والتجرد في طلب الحق.

وبدونه يكون الحوار فاقداً لروحه، وأعظم أصوله، ومقوماته.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ صافيَ السريرةِ، حسنَ السيرةِ لا يبغي في حواراته إلا هدياً، ولا ينوي إلا إصلاحاً.

وكان _عليه الصلاة والسلام_ سالماً من الأغراض الشخصية، مترفعاً عن المطامع الدنيوية؛ فما كان خاملاً؛ فيطلب بهذه الدعوة نباهة شأن ووجاهة؛ فإن في شرف أسرته، وبلاغة منطقه، وكرم خلقه ما يكفيه لأن يحرز في قومه الزعامة لو شاء.

وما كان مُقِلاً حريصاً على بسطة العيش؛ فيبغي بهذه الدعوة ثراءً؛ فإن عيشه يوم كان الذهب يصب في مسجده ركاماً لا يختلف عن عيشه يوم كان يلاقي في سبيل الدعوة أذىً كثيراً، وعيشَه يومَ كان يتعبد في غار حراء كعيشه يوم أظلت رايتُه البلادَ العربية، وأطلت على ممالك قيصر من ناحية تبوك.([3])

ويشهد لإخلاص النبي" في حواراته وتحلِّيه بهذا الأصل العظيم شواهد كثيرة، وسيرد ذكر شيء منها في تضاعيف هذا البحث، بل لا تبالغ إذا قلتَ: إن جميع حواراته _عليه الصلاة والسلام_ ناطقة بإخلاصه شاهدة له بذلك.

وفي هذا درس عظيم لكل من أراد الحوار، وهو أن يصحح نيته، وأن يتخلص من حظوظ نفسه، وأن يستحضر شهودَ ربه واطلاعه عليه.

وأن يدرك أن الإخلاص عليه مدار العمل؛ فعليه لزوم الإخلاص قبل الحوار، وأثناءه، وبَعْدَه، وعليه تجنبُ كلِّ ما من شأنه أن يخدش الإخلاص، ويقدح من سلامة القصد حتى لا يحبط عمله، وتضيع ثمرة جهده؛ فالحوار بدون نية حسنة مضر بصاحبه أيما ضرر([4]).

2_ البعد عن الدخول في النيات: وهذا نتيجة لسلامة المقاصد، وثمرة من ثمرات الإخلاص، ودليل من دلائل حسن النية والعمل؛ لأنه إذا حسن قصد المرء حسنت ظنونه، و:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

 
 وصدَّق ما يعتاده من توهم([5])

وإن من أعظم آفاتِ الحوارِ الدخولَ في نية المحاور، وإلصاقَ التهم به، وحملَ كلامه على أسوأ المحامل، وأخذَه بلازم قوله دون أن يلتزمه، أو أن يقول المحاور لمحاوره: أنت لم ترد بذلك وجه الله، أو أنت سيئ القصد إلى غير ذلك مما يفسد جو الحوار، ويفقده مصداقيته، ويخرجه إلى دائرة المهاترة والمسابة.

ولقد كان _عليه الصلاة والسلام_ مبرأً من كل نقيصة من ذلك، بعيداً كل البعد عن سوء الظن، كيف لا، وهو الذي أدبه ربه بقوله _عز وجل_: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ] (الحجرات:12).

كيف لا وهو القائل: =إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث+([6]).

ولأمثلة حسن ظنه بمحاوريه كثيرة جداً، وسيرد نماذج كثيرة منها.

3_ الفرح بظهور الحق على يدِ أي أحد: فذلك دليل الصدق، وأمارة الإخلاص، وسلامة النفس من الحظوظ والأغراض الشخصية؛ لذلك فإن على المحاور أن يكون غايته الوصول إلى الحق سواء جرى ذلك على لسانه، أو على لسان محاوره؛ فإذا ظهر الحق كان ذلك هو المطلوب؛ ذلك أن النفس طُلَعَة تحب الانتصار، وترغب العلو، وتنزع إلى تطلب الشهرة والمديح.

وربما رغبتْ في التشفي، وإظهار الشماتة، ونحو ذلك من المقاصد التي تنافي السلامة والإخلاص؛ فلا تريد _والحالة هذه_ أن يظهر الحق على يد مخالفها فضلاً عن أن تفرح به.

ولم تكن تلك أخلاق رسل الله _عليهم الصلاة والسلام_.

بل كانوا يفرحون بظهور الحق، ويرغبون في الإصلاح، ولم يكن لهم هدف غير ذلك.

ومن الأدلة على ذلك قوله _عز وجل_ عن شعيب _عليه السلام_: [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] (هود:88).

والمعنى _كما يقول العلامة الشيخ عبدالرحمن السعدي_: =ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم.

وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي شيء بحسب استطاعتي+.([7])

ولقد كان نبينا _عليه الصلاة والسلام_ يفرح في حواراته أيما فرح بظهور الحق على يد أي أحد، ولو كان من أشد الناس مخالفة له.

والأمثلة على ذلك كثيرة، ومن أجلاها ما جاء في الصحيحين عن عبدالله ابن مسعود÷ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله" فقال: يا محمدُ، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك.

فضحك النبي" حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله": [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)](الزمر) ([8]).

فهذا الحوار بين النبي" وذلك الحبرِ، وإقرار النبي" كلامَ الحبرِ دليلٌ على سلامة مقاصد النبي" وإنصافه، وقبوله الحق من أي أحد؛ إذ لم يكن مجيء الحق من خصم، أو عدوٍّ مناوئ مسوغاً لأن يرده، بل قَبِله بأحسن ما يكون القبول، حيث ضحك _ عليه الصلاة والسلام_ حتى بدت نواجذه؛ فرحاً، وتصديقاً لقول الحبر، بدليل قراءة الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر([9]).

وقريب من هذا ما جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري÷ عن رسول الله" قال: =تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السَّفَر؛ نزلاً لأهل الجنة+.

فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة، قال: =بلى+.

قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي"، فنظر النبي" إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم، قال: =إدامهم بالامٌ([10]) ونون+.

قالوا: وما هذا، قال: =ثور ونون يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً+.([11])

وسيأتي مزيد لما مضى في المباحث التالية.

 

--------------------------------------------------------------------------------

[1] _ أخرجه البخاري (1).

[2] _ أخرجه مسلم (2985).

[3] _ انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين للشيخ محمد الخضر حسين ص205.

[4] _ انظر في أصول الحوار ص30، والحوار آدابه وضوابطه ص139_140، وقواعد ومنطلقات في أصول الحوار ورد الشبهات د. عبدالله الرحيلي ص38_39.صوا

[5] _ ديوان المتنبي بشرح العكبري 4/135.

[6] _ البخاري (5143 و 6066 و 6724) ومسلم (2563).

[7] _ تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن ص435.

[8] _ البخاري (4811 و 7414 و 7415 و 7451 و 7513) ومسلم (2786).

[9] _ انظر صحيح مسلم بشرح النووي ص1637.

[10] _ بَالامٌ: قيل في معناها أقوال مضطربة، والصحيح منها _كما قال النووي_ أنها لفظة عبرانية، معناها: ثور. انظر صحيح مسلم بشرح النووي حديث (2792).

[11] _ البخاري (6520) ومسلم (2792).