Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

- عن معاذ بن جبل قال أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني لأحبك يا معاذ، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله، فقال: فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة: رب أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان . لا

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m025.jpg

من المعلوم أن الدين كمل في زمنه(صلى الله عليه وسلم)؛ بل في آخر حياته، ولا مجال للزيادة والنقص، ولكن جاء على شكل قواعد عامة وضوابط ثابتة.. مع قابلية ذلك على ملاحظة الظروف والأحوال والأشخاص، وهذا منوط بأهل العلم والاجتهاد من فقهاء كل زمان في حدود الشريعة ومقاصدها – مما يعطيه المرونة والثبات والوفاء بكل المتطلبات من غير منكِر.
عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)قال: " إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا " ([1]).

قال المناوي: " (إن الله لم يبعثني معنتاً ) أي شقاء على عباده. ولا متعنتًا: أي طالبًا للعنت وهو العسر والمشقة، ولكن بعثني معلِّمًا..، ميسرًا من اليسر " ([2]).

مظهر الرحمة:

وهنا مظهر عظيم من مظاهر رحمته (صلى الله عليه وسلم)، حيث بدأ بالتعليم (معلمًا)، فإن المؤاخذة لا تقع على الجاهل، وكذلك فإن سعة العلم أقرب إلى التيسير، وأكثر الذين يشقون على أنفسهم هم الجهلة، وكل من اتسع علمه اتسع عذره للآخرين حيث يجد لهم محاملاً شتى في الشريعة، بخلاف ضيق الأفق قليل العلم فإنه يضيق بالخلاف والمخالف ذرعاً.

وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن:" يسِّرَا، ولا تعسِّرَا، وبشِّرَا، ولا تنفِّرَا، وتطاوعَا، ولا تختلفَا " ([3]).

مظهر الرحمة:

(يسِّرا) معناها ظاهر، ولكن: (بشِّرا). فإن من الرحمة للإنسان أن تبدأه بم يسرُّه حتى ولو كنت ستكلّفه.. و(تطاوعا) لأن الاثنين لا ثالث لهما يتوسط عند الخلاف، فرجع الأمر على أن يستبطن الواحد منهما الرغبة في طاعة الآخرين، وهذا فيه من مظاهر الرحمة على الرِّفقة وإتمام المسيرة ما لا يخفى.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قيل: يا رسول الله أي الأديان أحبُّ إلى الله ؟ قال: " أحبُّ الأديان إلى الله تعالى الحنيفية السمحة"([4]).

والحنيفية السمحة الرفق واللين والقيام بالحق والمساهلة مع الخلق, والبيضاء النقية واليسر الذي لا حرج فيه.

قال المناوي:" واستنبط منه الشافعية قاعدة (إن المشقة تجلب التيسير)([5]).

مظهر الرحمة:

وهذا من سعة فقه الأئمة وعلماء الشريعة، حين جمعوا دلالة هذه النصوص بهذه القاعدة، فحيث وُجِدت المشقة وُجِد التيسير.. وكل مظاهر السماحة والرفق واللين ومعانيها تجدها في تكاليف الشريعة.. وإن كانت على صورة التكاليف.

وعن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)قال: " إن الدِّين يُسْرٌ ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وبَشِّروا واستعينوا بالغدوة والرّوحة، وشيءٍ من الدُّلجة " ([6]).

قال الحافظ ابن حجر: " وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطُّع" ([7]).

مظهر الرحمة:

إذاً الدين يسر..وعلى هذا فإن الشقاء والعسر بمخالفة الدين.. والواقع المحسوس أن كلَّ من شقُّوا على أنفسهم إنما لكونهم خرجوا عن النص الشرعي بمفهوم مغاير لمقصود الشريعة، وهذا يفهم من قوله: ( ولن يشادَّ الدين ) إذ هناك طائفة تختار الأشدّ، وفي النهاية يكلفون أنفسهم ما لا يطيقون، ففي الصحيحين أن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: " لأقومنَّ الليل ولأصومنَّ النهار ما عشت. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : أأنت الذي تقول ذلك ؟ فقلت له: قد قلته يا رسول الله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فإنك لا تستطيع ذلك فصم وأفطر ونم وقم وصم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك قال صم يوما وأفطر يومين قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك يا رسول الله قال: صم يوما وأفطر يوما وذلك صيام داود عليه السلام وهو أعدل الصيام قال: قلت: فإني أطيق أفضل من ذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لا أفضل من ذلك" ([8]). وبعدما كبر وعجز عن المحافظة على ذلك قال: " لأن أكون قبلتُ الثلاثة الأيام التي قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):أحبُّ إلي من أهلي وماليَّ" ([9]).

إن أكثر الذين انقطعوا في عرض الطريق أو تجاوزوا حدود الشريعة هم الذين تكلَّفوا فوق المشروع.

وملمح التقسيم للوقت مظهر من مظاهر الرحمة بالعباد، حين يشير إلى أوقات هي أكثر عوناً للنفس حين نشاطها.

قوله: (واستعينوا) إشارة إلى الاعتدال في حمل النفس على العمل، فهي تحتاج إلى سياسة ولطف حتى في من فعل المأمور، وليس بالإلحاح والضغط )فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ( فإذا فرغت من شغلك كله: مع الناس ومع الأرض ومع شواغل الحياة.. فتوجّه حينها بقلبك كله إلى ما يستحق أن تنصب فيه وتكدّ وتجتهد من العبادة والتجرد والتطلع والتوجه إلى الله.. هذا هو الطريق.

وعن أبي محجن أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: " إن الله رضي لهذه الأمة اليسر وكره لها العسر" ([10]).

مظهر الرحمة:

وهذا أحد مظاهر الرحمة ومتعلق عظيم حين يتعلق رضى الله باليسر، وكرهه بالعسر. فيكون اليسر على ما اختار لنفسه ولغيره من السهولة، فإن دافعَه رضى الله بخلاف المعسِّر الذي تقصَّد المشاق.. له أو لغيره.

وعن محجن بن الأدرع الأسلمي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:" إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره ثلاثاًً " ([11]).

مظهر الرحمة:

ومع هذا لا تجد في الأيسر مخالفة فهو يسمى ديناً بنص الشارع، ولأن العبادة التي تؤدَّى بارتياح وانشراح يكون فيها من الأثر النفسي والروحي ما لا يوجد في عمل تتعصَّى عليه النفس.

وعن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً " ([12]).

مظهر الرحمة:

وهذا من رحمة الله بالمريض والمسافر؛ لأنه يعرض لهما ما يُغَيِّر ما اعتادا من الخير، والمرض والسفر من عوارض الانشغال والعجز، وقد يعز على العاملين تغير برامجهم ونشاطاتهم فجاء هذا العزاء رحمة بهما .

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعاً " ([13]). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلُّوا سبيله فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة " ([14]).

مظاهر الرحمة:

ومع أن الحدود مكفِّرات إلا أن السِّتر والعفو أخفُّ على الإنسان وأرحم به، فإن الله تعالى أرحم به من العباد الذين قد يشمتون به، أو يحفظونها عليه؛ فجعل الشبهات درءًا لإقامة الحدود ..

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " أقيلوا ذوي الهيئات (من لم يَظهرْ منه ريبةٌ) عثراتِهم إلا الحدود" ([15]).

مظاهر الرحمة:

صاحب الهيئة والشريفُ في قومه قد تكون له زلَّة ليست غالب حاله فنبَّه إلى إقالة هؤلاء وذكر سابقتهم، وحتى لا يصاب الناس بخذلان في العظماء جاء هذا التوجيه رحمة للجميع.

 

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) مسلم، ح (1478).

([2]) فيض القدير المناوي 2/254.

([3]) البخاري (2873)، مسلم (1733).

([4]) أحمد في مسنده، ح (2107). والبخاري تعليقاً في كتاب الإيمان باب الدين يسر, وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة ح (881)، 2/541.

([5]) فيض القدير/ المناوي 3/203.

([6]) البخاري، ح (39).

([7]) فتح الباري ، ابن حجر 2/ 293.

([8]) البخاري، ح (3236)، ومسلم، ح (1159).

([9]) مسلم، ح (1159).

([10]) الطبراني في المعجم الكبير 20/298 (707). وصححه الألباني في صحيح الجامع، ح (1769).

([11]) أحمد في المسند، ح (18997) 4/ 338، والبخاري في الأدب المفرد ح (341)، والطبراني في المعجم الكبير، ح (704)..وصححه الألباني في الأدب المفرد ح (341).

([12])البخاري، ح (2834) .

([13]) ابن ماجه، ح (1274)، وضعفه الألباني، ضعيف الجامع الصغير، ح (261).

([14]) البيهقي في السنن الكبرى، ح (16834) 8/238، وضعفه الألباني، السلسلة الضعيفة، ح (2197).

([15]) أبو داود، ح (4375)، وأحمد في المسند، ح (25513) 6/ 181، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة، ح (638).