Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

 -         (هل يأبى أحد دخول الجنة؟) روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟! قال: (من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
العبادة ومفهومها عند محمد (صلى الله عليه وسلم)

منذ قديم الأزل استقر في الناس فهم ظلّ متعمقًا فيهم لسنين طوال، وجاء محمد (صلى الله عليه وسلم) ليهدم هذا الفهم الخاطئ من جذوره، وتمثّل هذا الفهم في أمر العبادة  فضيَّقوها وحصروها معنًى ومكانًا وزمنًا وتأثيرًا؛ فحصروا معنى العبادة في الصلوات على اختلاف أشكالها، فلا يكاد يخرج الإنسان من مكان عبادته إلا وتنقطع العلاقة بينه وبين معبوده نهائيًّا، فضيّقوا معنى العبادة، واختزلوها في حركات جسدية وكلمات تقال بالألسنة.

وحصروها مكانًا بأن جعلوا مكانها فقط في المعابد التي يمارسون فيها شعائرهم، فإن خرجوا من معبدهم تخلصوا من سلطة الرب عليهم، فيتصرف الإنسان كما يحلو له أن يتصرف، ولا ضابط له ولا خُلُق ولا قانون ولا دين، ويقولون: إن الدين داخل أماكن العبادة فقط، ويُنَحُّونه بعيدًا عن مظاهر الحياة كلها.

وحصروها زمنًا، فخصصوا للعبادة زمانًا محددًا فقط، يمارسون فيه عبادتهم وما إن ينتهي الزمن حتى يعود كلٌّ منهم إلى سابق عهده.

وحصروها تأثيرًا بزعمهم أن العبادة علاقة بين الإنسان ومعبوده، ولا تتجاوزه إلى غيره من الناس، فلا يختلف المتدين عن غيره، ولا الحريص على العبادات عن غيره في المعاملة. إذ إن العبادة لا يمتدّ تأثيرها على خلق وحياة الإنسان.

وجاء محمد (صلى الله عليه وسلم) ليزيل هذا الفهم الخاطئ تمامًا، وليبدّله بمعانٍ أُخر، بل والعجيب أن يعيد الناس إلى المعاني الصافية التي فقدوها في معنى العبادة، فقد ظنوا أن كلامه جديد وغريب، وإنما الحق أنه قول الأنبياء من قبله، ولما نسيه الناس ودعاهم إليه محمد ظنوا كلامه جديدًا، وما هو إلا إعادة لضبط الناس على المنهج الإلهي الرباني.

فالعبادة في رسالة الإسلام هي كل ما يحب الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، وهي الانصياع التام والانقياد الكامل من المخلوق لخالقه في الأوامر والنواهي؛ فالطاعة في الأوامر التعبدية عبادة، ولو صرفها العبد لغير الله تكون نوعًا من عبادة غير الله، فلا طاعة لغير الله في الأوامر والنواهي.

 وقد جاء عدي بن حاتم  إلى محمد (صلى الله عليه وسلم) مسلمًا بعدما كان نصرانيًّا، فجاءه وهو يلبس صليبًا من ذهب في عنقه، فيقول عدي t: أتيت النبي(صلى الله عليه وسلم) وفي عنقي صليب من ذهب، فقال يا عدي: «اطرح عنك هذا الوثن»، وسمعته يقرأ في سورة براءة:  (التوبة: 31). قال: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه»([1]).

ولما كان الله سبحانه متصفًا بالحكمة الكاملة والعدل المطلق؛ فتشريعه لخلقه يأخذ من صفاته، فهو التشريع المحكم والعادل للبشرية، ولن يحابي طائفة على حساب أخرى، فالله رب لجميع المخلوقات، وتشريعه صالح لكل زمان ومكان، وتأمّل ما جاء به محمد عن ربه حين قال:  (الملك: 14).

فالعبادة لا تعني مجرد أداء لبعض الحركات الجسدية، ولا تقتصر على مجموعة من الشعائر والأركان، وإنما هي كلمة شاملة تشمل علاقة كاملة بين العبد وربه، علاقة طاعة وانصياع كامل، ففي كل أمر من أوامر الحياة لله -عز وجل- فيها مراد، وينبغي أن يعرفه العبد، ويسير عليه لضمان سعادته في الدارين.

وليس لها مكان محدد تقتصر عليه؛ فالكون كله ملك لله، والعبد يسير في ملك الله، فهو مفتقر إلى عبادته لربه في كل مكان وحين، كما يقول الله تعالى:  (الأنعام: 161 -162).

فالرسالة المحمدية تنظر إلى الدنيا والآخرة على أنهما متصلتان وطريقهما واحد، وإنما يعبد المؤمن ربه عبادة تصلح دنياه، وتدّخر له ثوابًا لأخراه.

وليس للعبادة زمن محدد تنتهي معه، فمنذ أن يُكَلَّف الإنسان حين البلوغ وهو مأمور بالعبادة، إلى لحظة خروج روحه، وقد يكون لعبادات معينة أوقات معينة مخصوصة، إلا أن  العبادة  متصلة لا تنقطع، فصارت في مفهوم الإسلام حياةً كاملةً تحتوي على حياة المؤمن، فليس معنى الخروج من المساجد انقطاع العلاقة بين العبد وربه، وإلى هذا يشير قول محمد (صلى الله عليه وسلم) : « جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»([2]). فالأرض كلها تصلح للعبادة والصلاة.

والعبادة في مفهوم محمد (صلى الله عليه وسلم) لا بد لها من تأثير على خُلُق العابد في علاقاته بالناس، فيصبح أكثر طمأنينة، وأكثر هدوءًا، وأكثر تفاؤلاً، وأوسع صدرًا، يتعامل مع الناس وهو يدرك تمامًا أن ما يفعله من خير معهم لن يضيع حتى لو لم يحصل منهم على المقابل، فالمقابل الحقيقي الذي يرتجيه هو ما ينتظره عند ربه، ويبذل من وقته ليعلمهم ويحببهم في الخير الذي وجده، فالمؤمن يحب للناس ما يحب لنفسه كما قال                رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»([3]).

يحكي أبو هريرة t فيقول: قال رجل: يا رسول الله! إن فلانة يُذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها.  قال: «هي في النار»([4]).

فلا أثر للعبادة ولا قيمة إن لم تقترن بتغيير واضح في الخلق السيئ، أو محاولة جادة للتغيير. أما أن يكون المرء عابداً لله فيما بينه وبينه، وهو سيء الخلق مع الآخرين فهذا دلالة على عدم تمكّن العبادة الحقيقية من نفسه، وأنها فقدت تأثيرها على العابد.

بهذا المفهوم تقدّم محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى العالم ليقدِّم لهم معنى العبادة المطلوب منهم، وصحّح وأزال ذلك المفهوم القديم السقيم للعبادة، وحصْرِها وتضييقها على نحو ما ذكرنا.

بين العبد وربه جل وعلا:
مفهوم آخر تعرض له محمد (صلى الله عليه وسلم) كي يزيله من دنيا الناس، وهو مختص بالعلاقة بين العبد وربه.

فبعد فترة التوحيد منذ بدء الخليقة استطاع الشيطان بمكر وخديعة أن يُدخِل مفهومًا في العقيدة، لم يُصحح إلا برسالة الرسل وآخرهم محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا يزال هذا المفهوم موجودًا لدى كل من ابتعد عن سبيل الأنبياء، وهو مفهوم الوساطة بين العبد وبين الله سبحانه.

فعندما مات بعض الرجال الصالحين قبل عهد نوح - عليه السلام - جاءهم الشيطان متمثلاً في صورة آدمي، وعرض عليهم أن يقيم لهؤلاء الرجال الصالحين تماثيل، ونصحهم بأن يكون هؤلاء وسطاء بينهم وبين الله، وبالفعل اقتنعوا بذلك وبدؤوا في التقرب إليهم حتى عبدوهم بدعوى الوساطة بينهم وبين الله سبحانه فقال الله عز وجل عنهم:  (نوح: 23) .

وحينما سئلوا عن عبادتهم لهؤلاء كان ردهم بما حكاه الله: (الزمر:3).

لقد جاء محمد محذّرًا وموضحًا أنه لا وساطة بين العبد وبين ربه سبحانه، وأن الله قريب مجيب لكل داعٍ، ولا يحتاج إلى وساطة كي تصل إليه، فهو أقرب ما يكون لك كما قال الله تبارك وتعالى: (ق: 16) .

وما جعل الله ولا سمح لعبد - مهما علا شأنه - أن يكون واسطة في العبادة بين العبد وربه، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

فالتوبة تكون من العبد إلى الله مباشرة لا تحتاج إلى عبد مثلك كي تعترف إليه بذنوبك وخطاياك، فهو مثلك تمامًا يصيب ويخطئ، ويجب أن يعود ويتوب إلى ربه ومولاه، ولا يستطيع أن ينفعك، ولا ينفع نفسه إلا بإذن الله.

فالله يحب الستر على عبده، فلا يجبرك أن تفضح نفسك أمام عبد مثلك، فيحبك ويسترك، فإن أذنبتَ فيكفيك أن تتوب إلى ربك ومولاك بلا وساطة، فباب الله مفتوح وباب التوبة لا يُغْلَق أبدًا كما قال محمد (صلى الله عليه وسلم) : «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر»([5]).

مصدر التلقي:
كثير من يتحدث باسم الله ويكون كاذبًا، وكثير من يزعم أنه ينفّذ أوامر الله وهو كاذب، يطمح إلى تسيير الناس حسب هواه، ولكن من آمن بالله يجب أن يستمع إلى أوامر الله ونواهيه منه مباشرة                  من كتابه الذي أنزله على محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي جاء مبلِّغًا عن الله تعالى.

ففي القرآن يأمر الله المؤمنين بطاعة محمد (صلى الله عليه وسلم)، فهو المبلِّغ الحقيقي عن الله سبحانه الذي يقول للناس عنه (صلى الله عليه وسلم): (الحشر: 7) ،. ويربط الهداية بطاعته (صلى الله عليه وسلم) في قوله:  (النور: 54). ويحذر من طاعة أكثر من       في الأرض سوى الرسل والأنبياء، فيقول : (الأنعام: 116) .

وتكفَّل الله سبحانه بحفظ كتابه بنفسه، فلن يطرأ عليه تحريف ولا تبديل، فقد عَهِدَ بحفظ الكتب السابقة إلى الناس فحرّفوها وبدّلوها، فتكفَّل بحفظ هذا الكتاب بنفسه فقال :  (الحجر: 9)، وقال :   (يونس: 64). ولن يأتي لهذا الكتاب باطل أبدًا، حيث قال:  (فصلت: 42) .

ولذا فابحثوا في النُّسَخ العربية للقرآن التي تقّدر بالملايين في العالم عبر جميع الأزمنة، فلن تجدوا نسخة تختلف عن نسخة أبدًا، وهذا بحفظ الله القادر لكتابه، وحتى الذين طبعوا نسخًا محرفة، فإنها سرعان ما تكشف وتلغى ولا يبقى لها أثر.

فمصدر التلقي في رسالة الإسلام هو القرآن الكريم، والأقوال الثابتة عن محمد (صلى الله عليه وسلم) وأفعاله وإقراراته، وهي تشمل كل ما يحتاجه الإنسان في حياته، وتغنيه عن غيرها من الكتب في إصلاح حياته ومستقبله.

لقد حرص الإسلام على توحيد مصدر التلقي عند المسلمين وتنقيته من أي شائبة قد تعلق به؛ فرفض أن تختلط مصادره الأساسية بالفلسفات القديمة أو التصورات الإلحادية أو الخيالات الصوفية القديمة، أو بكتب السحرة والفلكيين، أو بغيرها، ولا حتى بما اعدَّه بعض الأمم ميثاقًا لها أو دستورًا.

فالإسلام يقِّدم لأبنائه منهجًا متكاملاً يثبت فيه ويقر الخير السابق له في الكتب القديمة كالتوراة والإنجيل، ويؤكد على شتى المعاني المنهجية التي تقوم معها الحياة الإنسانية؛ لذا فقد نزل الوحي بأن الدين هو الإسلام كما قال تعالى: (آل عمران: 19).

الثواب والعقاب :
   لقد قدِّم محمد (صلى الله عليه وسلم) تغييرًا آخر على الحالة الدينية في المجتمع من جهة ما يترتب على العمل من ثواب أو عقاب، ومن جهة أسلوب التعاطي مع العقوبة والإثابة، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهي تُكتب للمرء بمجرد اختلاجها في النفس والعزم على أدائها، وهي باقية ما بقي الإنسان، بل وآثارها ثابتة منطبعة على وجه الكون والحياة، والسيئة بمثلها فحسب، ولا تحسب إلا عند تنفيذها كما يروي ابن عباس عن  النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما يروي عن ربه عز وجل قال: «قال إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك؛ فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة»([6]).

والحسنة في قوتها وأثرها تمحو السيئة، فقد قال أبو ذرt: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): « اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»([7]).

ومجال التطهر من السيئات والخطايا مفتوح ما دامت حياة الإنسان، ولا توارث بين الناس في حسناتهم ولا خطاياهم، يقول الله :  (النجم: 38-41) .

الآخرة والقدر:
قيمتان إيمانيتان كبيرتان قد أسَّس عليهما محمد (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا من معاني رسالته، هما: الإيمان باليوم الآخر، وبقضاء الله وقدره، فاليوم الآخر حاضر في شتى ألفاظ آيات القرآن وأحاديث محمد(صلى الله عليه وسلم)،يدفع الإيمان به إلى انتظار الثواب والجنة الخالدة للمحسنين، والهروب من العقاب والنار للمسيئين، بل إن آيات القرآن تصمّنت إثبات حدوث اليوم الآخر، والرد على المنكرين له بردود مختلفات، فيقول سبحانه:  (يس: 78-83) ، وبذلك فالتصديق باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان الذي لا يتم إلا به، وهذا مما يدفع المؤمن إلى بناء حياته وَفْق مرضاة الله؛ رجاء ثوابه وخوف عقابه.

والإيمان بالقدر ركن آخر من أركان الإيمان، يقوِّم تصور المؤمن للحوادث من حوله؛ فيجعله متقبلاً للأحداث والآلام ويدفعه نحو الصبر في الملمات والمصائب، ويُنبت في قلبه التوكل على الله في جميع أعماله، ويقوِّي عنده وازع الثقة، حيث كل شيء بقدر كما يقول الله عز وجل: (القمر: 49-55) .

 

--------------------------------------------------------------------------------

 ([1])أخرجه الترمذي (3095).

 ([2])أخرجه البخاري (335).

 ([3])أخرجه البخاري (13)، ومسلم (45).

 ([4])أخرجه أحمد (9383).

 ([5])أخرجه الترمذي (3537)، وابن ماجه (4253).

 ([6])أخرجه البخاري (6491) ومسلم (131).

 ([7])أخرجه الترمذي (1987).