Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

- بالذكر تطمئن القلوب:
لذكر الله أثر كبير في انشراح الصدر، ورباطة الجأش، وذهاب الرهبة، وجمع الذهن، وتيسير الأمر، وحل عقدة اللسان والقلم. وباب الذكر مفتوح على رياض الأنس بالله (تعالى) والاستمداد من عونه، قال (صلى الله عليه وسلم): يقول الله (تعالى): (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني). متفق عليه.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
محمد (صلى الله عليه وسلم)

وقد قدَّم أصحاب محمد (صلى الله عليه وسلم) أرقى النماذج التي تعلموها منه في معاملة الآخر، يقول أنس بن مالك: كنا عند عمر بن الخطاب t إذ جاء رجل (قبطي) من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين! هذا مقام العائذ بك. قال: وما لك؟ قال أجرى عمرو بن العاص - أمير مصر- بمصر الخيل فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام محمد بن عمرو فقال: فرسي ورب الكعبة، فلما دنا مني عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة، فقام إليّ يضربني بالسوط ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين. وبلغ ذلك عَمْرًا أباه، فخشي أن آتيك فحبسني، فانفلت منه، وهذا حين أتيتك. قال أنس t: فوالله ما زاد عمر على أن قال: اجلس. وكتب إلى عمرو: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل معك بابنك محمد. وقال للمصري: أقم حتى يأتيك مقدم عمرو. فدعا عمرو ابنه، فقال: أأحدثت حدثًا؟ أجنيت جناية؟ قال: لا. قال: فما بال عمر يكتب فيك؟ فقدما على عمر. قال أنس t: فوالله إنا عند عمر إذا نحن بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه فإذا هو خلف أبيه. فقال عمر: أين المصري؟ قال: ها أنا ذا. قال: دونك الدرة فاضرب بها ابن الأكرمين، فضربه حتى أثخنه، ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع عنه حتى أحببنا أن ننزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين.

ثم قال عمر: أجلها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه. فقال المصري: يا أمير المؤمنين! قد استوفيت واشتفيت، يا أمير المؤمنين! قد ضربت من ضربني. قال عمر : أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه، حتى تكون أنت الذي تدعه. ثم قال: يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!

فجعل عمرو يعتذر ويقول: إني لم أشعر بهذا. ثم التفت عمر إلى المصري، فقال: انصرف راشدًا، فإذا رابك ريب فاكتب لي.

لا إكراه في الدين:
رغم أن محمدًا وأصحابه يعتقدون يقيناً أن الحق في اتباع الإسلام؛ فهو المتمِّم لرسالات الرسل من قبل، إلا أنهم لم يحاولوا إطلاقاً إجبار أحد على الدخول في الإسلام رغمًا عنه، وقد أبان القرآن جليًّا عن ذلك المعنى بقوله تعالى:  (البقرة: 256).

فلا إرغام لأحد على الدخول في الإسلام حتى لو كان المُرغِم أبًا يريد الخير لأبنائه، ولو كان المُرغَمُ ابنًا لا يشك في شفقة أبيه عليه. وحتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) نفسه نهى عن إكراه الناس للدخول في هذا الدين، فقال عز وجل: (يونس: 99) .

يقول القس الباحث «كونستانس جيورجيو» عن أوضاع أصحاب الديانات السماوية في ظل الحكم الإسلامي: «مع أن الإسلام عمَّ الجزيرة كلها في السنة التاسعة؛ فإن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لم يُكره اليهود ولا النصارى على قبول دينه؛ لأنهم أهل الكتاب. وقد جاء في رسالة محمد إلى أبي الحارث أسقف نجران أن وضع المسيحيين في الجزيرة بعد الإسلام تحسَّن كثيرًا، يقول في الرسالة : «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي، إلى الأسقف أبي الحارث، وأساقفة نجران، وكهنتهم، ومن تبعهم، ورهبانهم: إن لهم ما تحت أيديهم، من قليل أو كثير من بيَعهم وصلواتهم، ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله، لا يُغيّر أُسقف من أُسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته. ولا يُغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم، ولا شيء مما كانوا عليه، ما نصحوا واصطلحوا فيما عليهم، غير مثقَلين بظلم ولا ظالمين»([16]).

يقول جيورجيو: «تشير هذه الرسالة إلى أن المسيحيين كانوا أحرارًا في أداء شعائرهم، ولم يزاحمهم من المسلمين أحد. وقد قدم في السنة التاسعة وفد من نصارى نجران يرأسهم أبو الحارث الأسقف الأكبر، وعبد المسيح الأسقف، والأيهم رئيس القافلة، وحين أرادوا الدخول على النبي ارتدوا ألبستهم الدينية الرسمية الكاملة,.. ولا شك أن النبي كان يحترم النصارى احترامًا خاصًّا؛ لأن القرآن ذكرهم وأكرمهم»([17]).

ولم يكتفِ الإسلام بمنح الحرية لغير المسلمين في البقاء على دينهم، بل أباح لهم ممارسة شعائرهم، وحافظ على أماكن عباداتهم، فقد كان ينهى محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه عن التعرض لأصحاب الصوامع، ولم يتعرض يومًا لدار عبادة لغير المسلمين، وقد فقه هذا المعنى جيدًا أصحابه وخلفاؤه من بعده؛ لذلك كانوا يوصون قادتهم العسكريين بعدم التعرض لدور العبادة، لا بالهدم ولا بالاستيلاء. جاء في عهد عمر t الذي يسمى في التاريخ بالوثيقة العُمَرِيّة إلى أهل إيليا (القدس): هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهلَ إيليا من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، ولا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا يُنتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم، ولا يسكن بإيليا معهم أحد من اليهود([18]).

ولننظر إلى هذه الفقرة الأخيرة أنه لا يسكن معهم أحد من اليهود،فقد كانت بناء على طلب خاص من أهل إيلياء.

كما سمح لهم بإقامة حياتهم الاجتماعية وفق مفاهيمهم الخاصة، كالزواج والطلاق ونحوه.

يقول المؤرخ القس جيمس متشنر: «وقد قطع الرهبان بأن أهل الكتاب كانوا يُعاملون معاملة طيبة، وكانوا أحرارًا في عبادتهم، ولعل مما يقطع بصحة ذلك الكتاب الذي أرسله البطريرك النسطوري إيشوياب الثالث إلى البطريرك سمعان، زميله في المجمع، بعد الفتح الإسلامي، وجاء فيه: «ها! إن العرب الذين منحهم الرب سلطة العالم وقيادة الأرض أصبحوا عندنا، ومع ذلك نراهم لا يعرضون للنصرانية بسوء، فهم يساعدوننا، ولا يمنعوننا من الاحتفاظ بمعتقداتنا، وإنهم لَيُجِلُّون الرهبان والقديسين!» ([19]).

قيم العدل مع الآخر:
أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) بالعدل بين الناس جميعًا مسلمهم وغير المسلم منهم، جاء في القرآن قول الله تعالى :(النساء: 58).

وتلقى محمد (صلى الله عليه وسلم) الآيات فقام بها أتم قيام، فالأمر كان بالعدل بين الناس جميعًا دون النظر إلى ذواتهم أو أجناسهم أو دينهم أو حسبهم؛ فالكل سواسية حتى لو كان صاحب الحق ظالمًا للمسلمين، فلا بد من إعطائه حقه.

 جاء في آية أخرى:  (المائدة: 8).

وأمر القرآن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) أن يحكم بالعدل إن جاءه أهل الكتب يُحَكِّمونه بينهم  (المائدة: 42).

واتُّهم يومًا يهودي ظلمًا بأنه قد سرق، والحق أنه كان بريئاً من تلك التهمة؛ فأنزل الله قرآناً في براءة اليهودي:  إلى أن قال سبحانه: (النساء: 105 -112) ، قال الطبري المفسِّر: معنى الآيات: ولا تكن لمن خان مسلمًا أو معاهدًا في نفسه أو ماله «خصيمًا» تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقِّه الذي خانه فيه، «واستغفر الله» يا محمد! وسَلْه أن يصفح لك عن عقوبة ذنبك في مخاصمتك عن الخائن من خان مالاً لغيره. وأوضح الطبري أنها رُمِيَ بها يهودي بريء فأنزلت([20]).

وفي أكثر من ثلاثين حديثًا يشدِّد محمد (صلى الله عليه وسلم) على أصحابه على حق المعاهد، وهو من ارتبط مع المسلمين بمعاهدة، فمنها: قوله: «من قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا»([21]).

ومنها: قوله: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ له شيئًا بغير حقه، فأنا حجيجه يوم القيامة»، وقال (صلى الله عليه وسلم):             « ومن قتل رجلاً له ذمة الله ورسوله حرم الله عليه الجنة»([22]).

وقال: «من قتل معاهدًا في غير كنهه،حرم الله عليه الجنة»([23]).

وروى تلك الأحاديث كثيرون من أصحاب محمد عنه بأنهم سمعوها منه؛ مما دل على عظم وصايته بأهل الذمة والعهد في المجتمع المسلم.

وقد نهى محمد (صلى الله عليه وسلم) عن تعذيب أي نفس ولم يشترط فيها الإسلام؛ فقال: «إن الله عز وجل يُعذِّب الذين يعذبون الناس في الدنيا»([24]).

لا شك أن قضية العقيدة - كما جاء بها هذا الدين – هي قضية تعتمد على الاقتناع والإدراك بعد البيان والفهم والتدبر، وليست قضية إكراه أو إجبار، وما سمعنا منذ أن بعث محمد (صلى الله عليه وسلم) بحادثة واحدة ألجئ فيها إنسان غير مسلم بالقوة والإجبار ليصير مسلمًا، وهذا بذاته دليل قوي على أكبر قدر من حرية الاعتقاد، تلك التي يعطيها الإسلام للآخر.

 لقد حفظ محمد (صلى الله عليه وسلم) وضمن لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي أمنهم على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فلا يُتعرض لها بسوء لا من المسلمين ولا من غيرهم، ما داموا في أرض الإسلام، ولما علم عمر t أن رجلاً مسلمًا قتل رجلاً من أهل الذمة من أهل الحيرة أقاد منه عمر([25]).

معاملة حسنة مع الآخر:
لقد تركت تعاليم محمد (صلى الله عليه وسلم) مبدأً مهمًّا هو أن الأصل في المسلم المعاملة الحسنة مع كل الخلق؛ فقد قال (صلى الله عليه وسلم): «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق وفي رواية (صالح) »([26])،ومكارم الأخلاق مع الجميع؛ سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.

إن التعايش والتفاهم والتعاون بين الأمم والخلق أمر تحتاجه الإنسانية حاجة ماسة، وقد أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) في رسالته بالرحمة في كل جوانبها، وحسن التعامل بشتى وجوهه، يقول الله تعالى: (الممتحنة: 8) وفسر علماء الإسلام البِرّ هنا في الآية بقولهم: «هو الرفق بضعيفهم، وسد خَلَّة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم - على سبيل التلطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة -، واحتمال أذيتهم في الجوار - مع القدرة على إزالته - لطفًا بهم لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يُجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم إذا تعرض أحد             لأذيتهم...» ([27]).

وتتأكد المعاملة الحسنة مع الأقارب منهم، وتصل إلى الوجوب مع الوالدين؛ فتذكر أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فقلت:          يا رسول الله! إن أمي قدمت وهي راغبة أَفَأَصِلُها؟ قال: «نعم صِلِي أمك»([28]).

ولما قدم وفد نجران - وهم من النصارى - على محمد (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم فقال محمد(صلى الله عليه وسلم): «دعوهم»، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم. وقال ابن القيم عالم الإسلام الشهير: في هذه الحادثة جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، ثم قال: وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك بصورة عارضة([29]).

وتقول عائشة زوجته: توفي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير([30])، وذلك في نفقة عياله (صلى الله عليه وسلم).

وتحكي أيضًا أن رهطًا من اليهود دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالوا: السام عليكم [أي: الموت]، فردَّ عليهم: وعليكم؛ قالت عائشة - رضي الله عنها-: فَفَهِمْتُها، فقلتُ: وعليكم السام واللعنة، فقال (صلى الله عليه وسلم): «مهلاً يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقلت: يا رسول الله! أو لم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قد قلت: وعليكم»([31]).

وقد أمر محمد (صلى الله عليه وسلم) المسلمين بحسن رعاية أهل الذمة الذين يعيشون في أكنافهم، فمن احتاج منهم إلى النفقة تكفلوا به، فالدولة مسؤولة عن الفقراء من المسلمين وأهل الذمة، فتتكفل بالمعيشة الملائمة لهم ولمن يعولونه؛ لأنهم رعية للدولة المسلمة، وهي مسؤولة عن كل رعاياها، وقد قال محمد (صلى الله عليه وسلم) : «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته»([32]).

وحينما مر الخليفة الثاني عمر وهو في الشام على قوم من النصارى مجذومين أمر أن يُعْطَوْا من الصدقات، وأن يُجرَى عليهم القوت عند العجز والشيخوخة والفقر.

حرية العمل والكسب:
وضع محمد (صلى الله عليه وسلم) مواثيقه أن لغير المسلمين حرية العمل والكسب في بلاد المسلمين، سواء كان ذلك بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، ويستوي حالهم في ذلك مع المسلمين سواء بسواء، ولهم الحق في البيع والشراء وسائر العقود، ولهم الحق فيها وفي كل المعاملات المالية ما اجتنبوا الربا.

وفيما عدا الربا، وبيعهم وشرائهم الخمور والخنزير، وما يضر المجتمع مما نهى الإسلام عنه؛ فلهم الحق فيما تعاملوا به. وإنما نهى عن تعاملهم فيما سبق؛ للضرر الحاصل منه سواء كان عليهم، أو على مجتمعهم.

كما يتمتعون بسائر الحريات في التملّك وممارسة الصناعات والحِرَف وغيرها.

محمد (صلى الله عليه وسلم) ومبدأ الحوار:
آمن محمد (صلى الله عليه وسلم) إيمانًا راسخًا أن الميدان ميدان صراع أفكار بالدرجة الأولى، وأنه جاء بالخير للناس جميعًا، ويعلم أنه إذا فرض الخير على الناس فرضًا؛ ربما لا يتقبلونه، كما علم أن العقيدة لا تُفْرَض بالقوة، فالاعتقاد عمل قلبي، واقتناع ذهني عقلي، وقبول قلبي نفسي، وهذا ما أراده، ولو أراد طريقًا غيره لاختصر المسافات ولوصل إلى هذا الهدف بأقصر الطرق وأيسرها.

المؤرخون كثيرًا ما يتناقلون جملة تقول: الناس على دين ملوكهم، يقصدون منها أن الملوك إنما يفرضون دينهم وطريقتهم على الناس أجمعين، ويؤكدون أن هذا ما حصل منذ بداية البشرية، فالقوي يفرض آراءه، والغني يتحكم في الناس، وربما يتبعه الناس لغناه ولإنفاقه عليهم، وقد عُرض على محمد (صلى الله عليه وسلم) كل هذا من الغنى والقوة، بل والملك فرفض رفضًا صريحًا، يحكي صاحبه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما – فيقول: (أرسلت قريش عتبة بن ربيعة - وهو رجل رزين هادئ - فذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا لعلك تقبل بعضها. إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً. وإن كنت تريد شرفًا سوَّدناك علينا فلا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت تريد مُلكًا ملَّكْناك علينا. وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيَّاً تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ. فلما فرغ من قوله تلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عليه صدر سورة فصلت : (فصلت: ١ - ٧)([33]).

لقد رفض محمد (صلى الله عليه وسلم) إذن هذا العرض السخي المطلق بالغنى والملك، ولو أراد محمد (صلى الله عليه وسلم) الملك لناله، وصار ملكًا على قريش، وساق الناس بسلطانه نحو الإسلام، ولم يكن أحد بعدها يستطيع الامتناع، وكان ذلك أيسر لدعوته وأقرب للوصول إلى أكبر عدد من الناس في أقل وقت؛ حيث إن قريشًا كانت زعيمة العرب الدينية، فلو كان ملكها نبيًّا مسلمًا لهان الأمر، ولدخل أهل الجزيرة كلهم في الإسلام.

ولو أراد المال لصار أغناهم ويستطيع بماله أن يستميل القلوب؛ فتذعن إليه طمعًا فيما عنده، ولكنه (صلى الله عليه وسلم) يعلم يقينًا أن العقائد لا تُفرَض بالسلطان، ولا تُشترى بالمال، فلا الخوف يُنبت عقيدة في القلب، ولا الطمع يبقيها؛ ولهذا كان يتمسك دائمًا بالحوار مع غير المسلمين؛ لأنه يعلم أنه لا سبيل سواه يوصله إلى القلوب والعقول.

وقد انتهج هذا النهج في دعوته إلى الإسلام، وما حاد عنه أبدًا، فيحكي عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن رجل من أهل اليمن اسمه ضماد الأزدي قدم إلى مكة.. فيقول: «إن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه. فقال: يا محمد!  إني أرقي من هذه الريح. وإن الله يشفي على يدي من يشاء، فهل لك؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد». قال : فقال: أَعِدْ عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرات. قال فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلمات هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر، قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه([34]).

وكما حدَّد له القرآن الغاية من بعثته، فقد حدد له الوسيلة التي ينتهجها مع مدعويه أيضًا بكل وضوح؛ فقال له: (النحل: 125) ، فهي دعوة إذن فيها ثلاث وسائل للدعوة إلى الإسلام: الحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.

الإصلاح رسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) في السلم :
استغل محمد (صلى الله عليه وسلم) كل لحظة تمر عليه في الإصلاح بمعناه الشامل لكل معالم الحياة من حوله؛ لأنه كان يرى أن هناك أمورًا كثيرة تحتاج إلى سنين عديدة لإصلاح ما خلفته المناهج البعيدة عن الربانية، والتي جعلت من الإنسان مجرد آلة في ترس وفرغت كل مضمونه وجعلته لا هدف له ولا قيمة؛ فنسي ربه ونسي نفسه ونسي غايته، وأهمل فيما كلفه الله به من عبادته وتعمير أرضه.

فالإصلاح في الأرض غاية بعث الأنبياء ووظيفتهم الأولى، ويبتغون في ذلك مرضاة الله تعالى الذي أمرهم بالإحسان ونهاهم عن الإساءة، وقد قال الله عز وجل على لسان نبيه شعيب عليه السلام: (هود: ٨٨).

ولنا أن ندرك حقيقة مهمة هي أن محمداً (صلى الله عليه وسلم) لم يتمكن بشكل كامل من تطبيق منهجه الإصلاحي إلا بعد هجرته وإقامة دولته، أي: أن منهجه لم يطبقه إلا عشر سنوات فقط تخللها كثير من الوقفات الاستثنائية لظروف خارجة عنه، وهي فترات الحروب، فكان لزامًا عليه أن يسرع الخطى لتحقيق الإنجاز الضخم في هذه الفترة الوجيزة من عمر الزمان وأعمار الأمم.

 فما تلوثت به البشرية آلافًا من السنين يصبح تغييره في عشر سنوات ضربًا من الخيال، ولكن الدارسين لسيرة محمد(صلى الله عليه وسلم) وأمته يعلمون أنه قد أحدث تغييرًا هائلاً في تلك السنين العشر التي أصلح فيها.

 إنه مما يبعث في النفس تعجبًا شديدًا كيف حدث كل هذا في تلك الفترة الوجيزة القليلة؟!

إصلاح الدنيا بالدين:
هناك فكرة كانت ترسخت في العقول آمادًا طويلة هي أن الدين لا ينظم إلا علاقة الناس مع الله فقط، وكان قائلهم يقول إما صراحة أو بالمعنى: «دع ما لقيصر لقيصر،وما لله لله»، هذه الفكرة المتجمدة التي تحجر بها وحولها الفكر الإنساني كانت وبالاً على الناس؛ لأن الدين لا تكون له فائدة تُذكَر في الحياة إن جاء لينظم فقط العلاقة مع الله وحده، وعندها يصير الكون غابة كبيرة لا يحكمها قانون ولا تعرف معروفًا ولا تنكر منكرًا، وعندها تصبح القيم والشرائع كلها مرتبطة بمراد الحكام وأهوائهم؛  فما استحسنوه هو الحق، وما أبغضوه هو الباطل.

فكان الضمير الحاكم إذن على معيار القيم هو إرادة الحاكم فقط؛ فجاء محمد (صلى الله عليه وسلم) ليغير هذا التدني القيمي، ويعيد الأمر إلى نصابه الصحيح، وهو أننا لا نصلح بوصفنا بشراً أن تكون إرادتنا ضميرًا حاكمًا على معيار القيم، فمهما ارتفع شأن الإنسان فهو بشر، ومن ثم فهناك ضرورة هامة جدًّا في أن يرد المعيار القيمي لخالق البشر فهو الذي خلقهم وهو الذي يعلم ما يصلحهم وما يصلح لهم، وقد جاءت آيات القرآن وفيها يقول الله تعالى:  (الملك: ١٤).

 ولهذا ظل القرآن من أول يوم نزل فيه إلى آخر يوم وهو يؤكد على هذا المعنى وهذا المفهوم، وظل محمد (صلى الله عليه وسلم) منذ أول يوم ينادي فيه بدعوة الإسلام يذكر الناس بهذا؛ يذكِّرهم بوحدانية الله ويذكِّرهم أن الله هو الخالق والرازق والمحيي والمميت والنافع والضار، ثم يقول لهم حين يسلمون، ويقرون لله وحده سبحانه بالخلق: (الأعراف: 54) ، ويكرر عليهم: ألا له الخلق والأمر، فلا خالق سواه، ولا آمر في ملكه إلا هو.

الإصلاح العلمي:
جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) في أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، وهي بعيدة تمامًا عن العلم الدنيوي، وكانت البشرية كلها أثناء ذلك بعيدة عن العلم إلا بعض آثار التقدم في المملكتين فارس والروم، وبعض أهل مصر والهند والصين.

وحث القرآن على العلم؛ فكانت أولى آياته (اقرأ) ثم كانت سورة كاملة باسم (القلم)، ومن الآيات (الزمر: 9)، أي: أنه لا يستوي العالم مع غير العالم، فالعالم أفضل كما قال سبحانه: (المجادلة: 11) ، ويأمر الله محمدًا  (صلى الله عليه وسلم)أن يقول: (طه: 144)؛ لما في العلم من شرف فكفى به شرفاً أن يدَّعِيه مَن ليس فيه، وكفى بالجهل وضاعة أن يتبرأ منه من هو مغموس فيه.

وكان محمد (صلى الله عليه وسلم) يحث أصحابه على طلب العلم والزيادة منه فيقول:    «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات والأرض، حتى الحيتان في الماء، وفَضْل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»([35])، ويقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم»([36]).

وعلَّمهم أن العلم ينفع العبد حتى بعد موته فقال (صلى الله عليه وسلم): «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»([37]).

ويسير أصحابه على نهجه ذاته؛ فيقول ابن مسعود t لمن بعده: «اغد عالمًا أو متعلمًا،  ولا تكونن إمَّعة».([38])

ولذلك حرص محمد (صلى الله عليه وسلم) على تعليم أصحابه والارتقاء بهم؛ فكان في أسرى بدر مجموعة من المتعلمين للقراءة والكتابة ولا يملكون المال ليفدوا أنفسهم به، فاشترط عليهم أن يعلِّموا مجموعة من أولاد المسلمين القراءة والكتابة، ثم يطلقهم، فكان محمدٌ (صلى الله عليه وسلم) لا يريد المال بل يريد العلم لأصحابه؛ لأنه يعلم أن العلم للأمم أنفع لها من المال، وأن ثروة أي أمة لا تقاس بالمال، بل بما تملكه من أصحاب العلم، فهم الثروة الحقيقية للأمم.

ويسَّر لهم سبل التعليم، فكان مسجده أكبر ساحة للتعليم، فتعلم فيه الصحابة القراءة والكتابة وانتشر العلم، وصارت المساجد بعده تمارس دورها في العلم؛ حتى غدت منارات يشع منها العلم إلى كل العالم، واستفادت الدنيا من علوم المسلمين الذين ساروا على نهجه (صلى الله عليه وسلم) في احترام قيمة العلم ورفع مكانة العلماء.

 

--------------------------------------------------------------------------------

 ([1])صحيح ابن حبان (4451).

 ([2])أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/140) .

 ([3])انظر: القرطبي عند تفسير الآية.

([4]) أخرجه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334).

([5]) أي: طلب دفعا على سبيل الظلم.

 ([6])ابن هشام: 1/501.

([7]) ابن كثير: 2/323.

([8]) أخرجه البزار والطبراني.

([9]) أخرجه أحمد(18431)

([10]) أخرجه البخاري (2734).

([11]) أخرجه البخاري (1313)، ومسلم (961).

([12]) أخرجه البخاري (1356).

 ([13])أخرجه الحاكم في المستدرك (1620).

 ([14])أخلاق المسلمين وعاداتهم , جوته , ترجمة :عثمان محمد عثمان :ص20.

([15]) كتاب : سياحة دينية في الشرق , ميشون , ص31.

 ([16])الوثائق السياسية،محمد حميد الله, ص 179.

 ([17])نظرة جديدة في سيرة الرسول , كونستاس جيوريجيو، ص372.

([18]) تاريخ الطبري: 3 / 609.

([19]) خصائص الدعوة, محمد أمين حسن, ص166.

([20]) الطبري في تفسيره للآيات.

([21]) أخرجه البخاري (6914).

([22]) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (18511).

 ([23])أخرجه النسائي (4747)، وأبو داود (2760)، وأحمد (19864).

 ([24])أخرجه مسلم (2613).

([25]) مصنف عبد الرزاق: 15/185.

 ([26])أخرجه أحمد (8729).

([27]) الفروق, القرافي, 3/15.

([28]) أخرجه البخاري (2620)، ومسلم (1003).

([29]) زاد المعاد: 3/ 538.

([30]) أخرجه البخاري (2916)، ومسلم (1603).

([31]) أخرجه البخاري (2935)، ومسلم (2165).

([32]) أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829).

([33]) أخرجه البيهقي وابن إسحاق.

([34]) أخرجه مسلم (868).

([35]) أخرجه الترمذي (2682)، وأبو داود (3641)، وابن ماجه (223)، وأصله في مسلم (2699).

([36]) أخرجه ابن ماجه (224).

 ([37])أخرجه مسلم (1631).

([38]) إعلام الموقعين، لأبن القيم 2/160.