Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          شجاعته صلى الله عليه وسلم:

عن البراء رضي الله عنه قال كنا والله إذا احمر البأس نتقي به ، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به ،يعني النبي  صلى الله عليه وسلم  رواه مسلم .

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

أصعب الفترات في الدعوات وأكثرها تضحية هي فترة الميلاد والبناء والتكوين، ويتحملها رجال أشداء، وتكون فيها المغارم أكثر من المغانم، ولهذا لا ينتسب إليها في البداية إلا المؤمن بمبادئها والمخلص لها، ومن يستعد أن يبذل وقته وجهده وماله في سبيلها.

ولكن حينما يأتي وقت قطف الثمار وتأتي مرحلة تبدو فيها ملامح النصر والغلبة والتمكين لتلك الدعوة أو الحركة يأتي معها أفراد وجماعات إنما أتت بهم المصلحة والمنفعة، ودعاهم بريق الانتصار، وقد يكونون لم يتفهموا بعدُ مبادئ تلك الدعوة أو قِيَمها ولم يؤمنوا بها كلية، ولم تتشرب قلوبهم محبتها والولاء الكامل لها، إنهم يريدون المكاسب والأرباح على الرغم من كونهم لم يقدموا شيئًا لها.

وبالطبع لم تَخْلُ دعوة الإسلام من مثل هؤلاء الذين أسماهم الإسلام (منافقين)، ولقد كانت الفترة المكية المتمثلة في الثلاث عشرة سنة الأولى خالية من ظاهرة النفاق؛ فالمرحلة كلها متاعب ومشاقّ، وليس فيها مغانم تُذْكَر، ولا توجد أية مؤشرات على وجود مرحلة قادمة من الغنائم والأرباح، ولهذا لم يظهر النفاق في المرحلة المكية.

وكيف يظهر النفاق فيهم إذا كانت تبعة إعلان الإسلام هي التعرض لألوان الاضطهاد كافة في مال المنافق وتجارته أو الإيذاء في بدنه؟!

وحتى بعد الهجرة مباشرة لم يظهر النفاق في أهل المدينة؛ لأنهم ما يزالون في البدايات وكل القوى تتربص بهم، وكان الجميع ينتظر فناء تلك الفئة في القريب العاجل، فلم تَلُحْ بوادر في الأفق تلمِّح بقرب وجود غنائم أو أرباح.

وكان انتصار المسلمين في غزوة بدر نقطة فاصلة أدت إلى نجاح هائل للدعوة الإسلامية، وكان كفيلاً بإثارة غرائز هؤلاء المنتفعين، الذين أدركوا أن هناك حركة وليدة توجد لها ملامح النصر والغلبة، ومن ثَمّ الأرباح والمكاسب، فسال لعابهم طمعًا أن يدركوا نصيبًا من المكاسب، وأصبحت تلك الحركة أيضًا قوة يخشى منها ينبغي تحاشيها.

وفي المجتمع الإسلامي سمة تكاد تميزه عن غيره من المجتمعات، فمن يسلم في أي لحظة يأخذ مكانه في المجتمع المسلم بوصفه واحداً من المسلمين تمامًا، له ما لهم وعليه ما عليهم فلا تمييز بينهم. فكان لكل مسلم أيًّا كان تاريخ إسلامه وأيًّا كان عطاؤه وبذله وتضحيته في الإسلام الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها.

هذه السمة أغرت الكثير من المنافقين بالتظاهر بالاقتناع الكامل بالإسلام، وإن كانوا أشد المعارضين له، وألدّ خصومه في الباطن، وأكثر العاملين على هدم أركانه، وقرّروا إن لم يتحقق سعيهم لهدم الدين من خارجه، فليعملوا على هدمه من الداخل وبثّ الفُرقَة والنزاع بين أفراده.

ولهؤلاء طبيعة متفردة، وتجب معاملتهم معاملة خاصة، وهذا ما فعله محمد (صلى الله عليه وسلم)؛ لأن التعامل معهم يمثل معضلة كبيرة جدًّا؛ لأنهم بحكم الظاهر مسلمون يمارسون الشعائر، ويعلنون الولاء الكامل، والحقيقة غير ذلك تمامًا،إضافة إلى أن عمل النفاق غالبًا ما يكون سريًّا ولا يعلم به أحد، ولذلك يحيطون أنفسهم بالسرية الكاملة، ولا يواجهون بأفكارهم؛ ومن ثم لا يستطيع أحد إثبات جريمة واضحة عليهم.

فلا بد إذن من استراتيجية منظمة ومدروسة ومتتابعة خاصة بالتعامل معهم، وقد استخدم محمد (صلى الله عليه وسلم) عدة ممارسات عملية في تعامله معهم.

عدالة عامة:

علم محمد (صلى الله عليه وسلم) أن النفاق قد ينتشر في البيئة التي يقلّ فيها العدل، وتنتشر فيها المحسوبية والوساطة، فإذا عالج القائد المواقف المتماثلة معالجات مختلفة تبدو جماعة النفاق وكأنها مضطهدة مستهدفة، وهم الذين لم يبد منهم شيء أمام الناس.

لذا فقد ظل محمد (صلى الله عليه وسلم) حوالي تسع سنوات وهو يعلم وجود بعض المنافقين، ولم يغير مواقفه، ولم يأخذ أحدًا بالظن، ولم يحكم على أحد بغير أدلة ظاهرة واضحة للعيان، ولم يقضِ بعلمه فيهم.

ولكن إذا ثبتت جرائم المنافقين ووضحت للجميع يمكن عندها للحاكم أن يعاقبهم بالعدل أيضًا، ولا يخشى على وحدة الصف الداخلي، فكان من الضروري أن يتجاوز محمد (صلى الله عليه وسلم) كثيرًا عن بعض التصرفات التي لا دليل ظاهر على سوئها حتى تصدر منهم تصرفات أخرى تفضح ما أضمروه، حتى إن آيات القرآن نزلت على محمد (صلى الله عليه وسلم) وفيها:  (محمد: 30)، أي: أن المنافق لن يتحمل إخفاء حاله طويلاً، وسيزل لسانه بما أضمره، وسيطلعك الله على ما أخفى من شأنه من سقطات لسانه، وإذا طبق القانون على الجميع ولم تكن هناك استثناءات لأحد أيَّاً كان قدْره سيتماسك الصف الداخلي ولن يجد المنافقون ثغرة ينفذون منها إلى الصف المسلم، ولن يسمع لهم أحد فلا حقائق يستطيعون الاستناد إليها.

صدق يذيب الحقد:

إن النفاق نبت شيطاني يُروَى بماء الحقد، وينمو ويترعرع في الظلام، ويطرح نار الفُرْقَة والعذاب، وليس هناك شيء يمكنه حصار النفاق وتضييق الخناق عليه أكثر من الصدق والوضوح والشفافية، فلا يقهر الظلمة إلا الضياء والنور. فلا بد للقائد من مصارحة أتباعه، وأن يلتقي بهم دائمًا، ويجيب عن كل أسئلتهم مباشرة دون خداع أو التواء           أو كذب عليهم حتى وإن أخطأ فلا بد أن يعترف بخطئه دون مواربة، وبذلك يقضي على النفاق نهائيًّا بتجفيف منابع إنباته من الشائعات والأكاذيب.

في ليلة كان محمد (صلى الله عليه وسلم) معتكفًا في المسجد فأتت صفية بنت حيي زوجته تزوره في المسجد فحدثته، ثم أرادت أن تنصرف إلى بيتها ولم يأمن عليها أن تمشي وحدها في ظلمة الليل، فأراد أن يوصلها إلى بيتها، فمشى معها فمرَّ عليهما رجلان، فلما رأياهما أسرعا في المشي، فقال لهما محمد (صلى الله عليه وسلم): «على رِسْلكما - أي: تمهلا - إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله!، فقال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خفت أن يقذف في قلوبكما شيئًا أو شرًّا»([1]).

الحادثة بسيطة والمعنى عميق فلم يكن يدع محمد (صلى الله عليه وسلم) موقفًا غامضًا دون أن يوضحه ويبين للناس أسبابه حتى لا يدع مجالاً للشك أن يتحرك، فمحمد (صلى الله عليه وسلم) لا يعلم من هما الرجلان في الظلام الدامس، ولا يختلف الأمر سواء كانا من المؤمنين أو من المنافقين، ولكن إذا ترك الأمر ولم يوضح لهما أنها زوجته ربما تلقف المنافقون هذه الحادثة، وحاكوا حولها الإشاعات.

وبعد فتح مكة دخل كثير من أهلها في الإسلام ولم يكن إيمانهم قد قوي بعدُ، فبعض الناس يسير خلف من ينتصر، ثم يتبين بعد ذلك أمره؛ إما أن يكمل الطريق،وإما أن يعود، وهذا ما حدث فدخل الناس في دين الله أفواجًا.

وجاءت غزوة الطائف وفيها غنم المسلمون غنائم لم يغنموا مثلها قبلها، والأصل في الغنائم أن توزَّع بالتساوي، ولكن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) بعد انتهاء المعركة وزَّع الغنائم بطريقة مختلفة فأعطى المسلمين الجُدُد من أهل مكة كثيرًا من الغنائم، ولم يعطِ الأنصار من أهل المدينة شيئًا، وهنا حزن الأنصار، وقال بعضهم: أعطى من أسلم حديثًا وتركنا!

وهذا الموقف لو استمر وكثر به الحديث لأوجد أرضًا خصبة للنفاق، وخاصة أنه يستند إلى حقائق - وإن فسِّرت غلطاً - وليس إلى إشاعات، ومن الممكن أن يستغل هذا الحدث في التفرقة بين عنصري المسلمين المهاجرين والأنصار.

وكان مجتمع المؤمنين نظيفًا خاليًا من الغشّ؛ فلم يكونوا يضمرون شيئًا في أنفسهم فإذا حزنوا أو غضبوا من شيء سألوا عن حقيقته؛ فذهب كبير الأنصار سعد بن عبادة إلى محمد(صلى الله عليه وسلم) واشتكى له من ذلك، فقال له محمد (صلى الله عليه وسلم): «اجمع لي قومك»، فجمع قومه وأتوا ففتح لهم مجال الشكوى والحديث ولما انتهوا من مقالتهم قال لهم:

«أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعَاعة- شيء تافه زائل - من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام».

ثم قال (صلى الله عليه وسلم) لهم: «يا معشر الأنصار!، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون أنتم برسول الله إلى رحالكم، فو الذي نفسي بيده! لو سلك الناس شعبًا وسلك الأنصار شِعبًا لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم جميعًا حتى اخضلَّت لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربًّا، ورسوله قسمًا، ثم انصرف وتفرقوا»([2]).

إن الموقف ها هنا قد تحوَّل من غضب وعتب إلى بكاء وتراحم ورضىً، وهكذا بالمصارحة والمكاشفة قضى (صلى الله عليه وسلم) على الفتنة سريعًا في مهدها، ولم ينتظر ولم يهمل الأمر ولم يأخذه باستهانة، بل قدَّر مشاعرهم، وأراد أن يوضح لهم وجهة نظره.

السرعة في احتواء المشكلات وحلّها:

لم يكن محمد (صلى الله عليه وسلم) يترك مشكلة من مشكلات المجتمع تتراكم آثارها دون محاولته حلِّها بصورة فورية عاجلة، فالمدينة قليلة الموارد والمهاجرون تكاثروا، وهذا المجتمع يفترض أن يتحمل عبء هؤلاء المهاجرين، ومن ثم فلا بد أن يمر المجتمع بمشكلة اقتصادية سرعان ما تتحول إلى مشكلة اجتماعية، بل ومن الممكن أن تتطور إلى ما هو أكثر من ذلك.

ولكن ما حدث في المدينة غير ذلك، فعندما ذهب محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة ابتكر فيها نظامًا فريدًا للتكافل الاجتماعي، وهو نظام المؤاخاة، وكان فيه كل رجل أنصاري من أهل المدينة يؤاخي رجلاً من المهاجرين، وتكون بينهما علاقة خاصة تميز بينهما عن كل العلاقات فكان كل مهاجري ضيفًا على أخيه الأنصاري، يتعاونان في كسبهما ويقتسمان عيشهما، فقضى فوريًّا على تلك الأزمة في مهدها.

كان هناك طوائف أخرى تسعى في اتجاه معاكس، طوائف يهمها تأجيج الصراع بين أبناء هذا المجتمع بإثارة العصبيات، وجعلها تطفو على السطح، فلا بد إذن من علاج سريع قبل أن تتفاقم الأزمة، وهذا ما كان يحرص عليه محمد (صلى الله عليه وسلم) في تعامله مع المشكلات وبخاصة التي يكون وراءها المنافقون الذين يحاولون أولاً إشعالها، وثانيًا تذكيتها، وإمدادها بالوقود اللازم لإشعالها.

وكان كبير المنافقين في المدينة رجلاً يسمى عبد الله بن أُبَي، وكان الرجل ذا طبيعة خاصة؛ إذ إن الأنصار قبل هجرة محمد (صلى الله عليه وسلم) بأيام كانوا قد استعدوا لتنصيبه ملكًا عليهم، وجاء محمد (صلى الله عليه وسلم) فتحول الناس جميعًا إليه ونُسي عبد الله بن أُبَي في زحام الاشتغال بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، وتضاءلت شخصية عبد الله بن أبي إلى جانب شخصية محمد (صلى الله عليه وسلم)، ما أثار الحقد في قلب ابن أبي، فأضمر في نفسه غيظًا وحقدًا على محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي سلبه ملكه الذي كان يحلم به.

وبعد غزوة بدر لم يجد وسيلة بعد أن أسلم قومه، وفقد السيطرة عليهم تمامًا إلا أن يُظهر الإسلام ليستعيد بعض مكانته، وليجعل من لقائه بالمسلمين من بني قومه وجلوسه معهم وحديثه معهم أمرًا مقبولاً، فكان إسلامه وسيلةً لنيل مكاسب، أو تخطيطًا مرحليًّا حتى يستطيع تدبير أمره، وبالفعل أسلم كثير من أتباعه للغرض نفسه، فكوَّنُوا تنظيمًا خفيًّا، ورسموا الخطط، ودبروا كثيرًا من الأحداث والمشاكل والمتاعب التي تعرض لها محمد (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه.

وعملُ المنافقين في المدينة كان عملاً منظمًا مدروسًا، ولا بد أن يواجه بخطة منظمة مدروسة لا يكون فيها لردود الأفعال مجال أبدًا، فكل انفعال صادر عن رد فعل ستكون عاقبته وخيمة، ولهذا نستطيع أن نقسم طريقة التعامل مع المنافقين إلى مراحل نفذها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه في تخطيط محكم مدروس.

المرحلة الأولى: (الصبر والحلم عليهم):

في هذه المرحلة كان دور النفاق محدودًا، ولم يظهر أهل النفاق نفاقهم بصورة جلية واضحة، والأصل في التعامل مع الناس في الإسلام أن المحاسبة على الظاهر من أقوالهم وأفعالهم، وألا ينشغل الحاكم بالبحث عما يبطنون في دواخل أنفسهم، وكثير من الناس دخل الإسلام أولاً، ولم يكن مقتنعًا به الاقتناع الكامل.

ولهذا كلما ظهر خطأ من أخطاء الناس صبر عليه محمد (صلى الله عليه وسلم) وتحمله، طمعًا في وقت تهدأ فيه نفوسهم وتسمو أخلاقهم، فالزمن جزء من علاج أمراض بعض الأنفس، ولكن بعض مريضي النفوس لا تتغير نفوسهم، ولا يزيدهم الصبر والحلم إلا غرورًا واستكبارًا، ومن ثم لا يتغيرون مهما انخرطوا في المجتمع الإسلامي، ويستمرون في أعمالهم وأخطائهم.

فكانت مرحلة الصبر والحلم في مرحلة فرز دقيقة لمن كان منهم حديث عهد بالإسلام، ولما يدخل الإيمان في قلبه، ومن منهم قد نبتت بذرة النفاق في قلبه فكانت مرحلة تمييز، وكان عنوانها الصبر والحلم والصفح.

فحينما خرج المسلمون إلى أُحُد كانوا حوالي ألف رجل، وكان رأي عبد الله بن أبي ألا يخرج المسلمون للقاء عدوهم خارج المدينة، ولكن استقر الأمر على خروج المسلمين جميعًا للقتال خارج المدينة، وعندما تراءى الجيشان في أحد والمسلمون يقتربون من ألف رجل ومشركو مكة حوالي ثلاثة آلاف رجل؛ أخذ عبد الله بن أُبي ثلث الجيش معه، وانسحب من ميدان المعركة!

كان من الممكن ألا يخرج من المدينة للقتال أصلاً هو ومن معه، ولكن قرَّر أن ينسحب في ذلك التوقيت حتى يُوهن جيش المسلمين؛ لأنهم قلة من العدد، فكيف بانسحاب ثلثهم، وأيضًا ليرفع روح قريش المعنوية بسحب ثلث الجيش معه، وليؤثر على أكبر عدد ممن هم ليسوا من المنافقين ممن يُخدَعون برأيه وبكلامه، وكان لهذا الحادث الأثر الكبير في النفوس في غزوة أحد، وكان ذا دلالة قاطعة على وجود قوًى خفية تعمل في الظلام ضد مجتمع المدينة، مع العلم أن هذا العدد الكبير لم يكن كله من المنافقين، ولكن كان أكثرهم من المتأثرين بهم، فكان لا بد من مرحلة لفضح مؤامرات النفاق.

إن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يريد أن يلفظهم جسد المؤمنين لا أن يتولى هو بنفسه فصلهم؛ فقد تأخذ الشفقة أو حب أبناء العشيرة من قلوب أصحابه تجاه هؤلاء المنافقين، فكانت نقطة البداية بعد غزوة أُحد.

ومن وقاحة تصرف عبد الله بن أبي أنه بعد الانسحاب من أُحُد، ومقتل سبعين من المسلمين وجرح سبعين آخرين؛ وقف يوم الجمعة التالي لمعركة أحد – كما كان يقف – ليمتدح محمدًا، فأخذ المسلمون بثيابه وأجلسوه كي لا يسمعوا منه، فقام من فوره وخرج من المسجد ولم يُصَلِّ الجمعة معهم، فلقيه رجل من الأنصار، فقال له: ارجع يستغفر لك رسول الله، فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.

إذن كانت تلك الحادثة أول رد فعل إيجابي بحصار النفاق والمنافقين وتقليص حجمهم وصرف الناس عنهم، ولنا أن نعلم أن الذين أقعدوه هم أبناء قومه الذين كانت منهم أغلبية شهداء يوم أحد؛ فالآن المسلمون ينظرون إلى هذا الرجل وأتباعه نظرة ريبة وشك في تصرفاته، وهذه غاية الحكمة أن تجعل الناس ينصرفون عنه ولا يسمعون منه، وبالحق دون افتراء عليه أو اتهامات باطلة ينكرها، ويكون في نظر أتباعه بطلاً مضطهدًا من القيادة.

والآن تغيرت نظرة المسلمين من مرحلة كانوا يلتمسون فيها العذر لعبد الله بن أبي وأمثاله إلى نظرة رجل بدأ ينفد صبره من تصرفات هؤلاء،وتغيرت النظرة من الإعذار إلى الاتهام.

المرحلة الثانية: (إظهار عيوبهم وفضح أمرهم):

هذا المرحلة الثانية كانت بعد أن تخلى المنافقون عن حذرهم وأصبحوا مكشوفين للناس، وتحول المجتمع المسلم إلى مجتمع يعلم تصرفات المنافقين ويحذرهم جيدًا، والحق أن بعد هذه الأحداث حاول المنافقون استعادة مكانتهم، ولكنهم لم يفلحوا، وقد اعتمدوا على طريقتين؛ الأولى: الطعن في شخصية الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأخلاقه، والإشاعات حوله وحول أهل بيته.

والثانية: اتخاذ كل وسيلة للتفريق بين المسلمين، وإشاعة جو من الخلافات والعداء والمعارك بين أفراد الأمة، واستغلال الحمية القبلية والنزعة العنصرية عندهم.

وفي غزوة بني المصطلق وفي طريق العودة منها ذهب رجلان إلى بئر لسقي الماء، واختلفا وتشاجرا، وهذا أمر عادي يحدث في كل المجتمعات، ولكن هناك قوًى خفية زادت فيه ونفخت في ناره؛ حتى صار أكبر من حقيقته، فالرجلان كان أحدهما من المهاجرين والثاني من الأنصار فنادى المهاجري: يا للمهاجرين! ونادى الأنصاري: يا للأنصار! فاجتمع مجموعة من الناس من الفريقين وثارت الحمية القبلية.

وها هنا وبسرعة شديدة حضر محمد (صلى الله عليه وسلم) وحدَّث الناس وذكَّرهم بفضل الله عليهم، وأن دعوى القبلية دعوى جاهلية ليست من الإسلام، يقول جابر بن عبد الله: فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «دعوها فإنها منتنة»، قال جابر: وكانت الأنصار حين قدم النبي (صلى الله عليه وسلم)أكثر، ثم كثر المهاجرون بعدُ.

فقال عبد الله بن أُبي: أو قد فعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرِجَن الأعزُّ منها الأذلَّ، وها هنا يرى بعض أهل المدينة ضرورة التخلص من ابن أُبَي إلا أن محمدًا رفض ذلك وقال: «دعُوه؛ لا يتحدثُ الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»([3]).

وهدأت الفتنة وعلم المسلمون أن هناك عدوًّا خفيًّا من داخلهم، يحاول في هذا الاتجاه في طعن وحدتهم وتفريقهم وإثارة النعرات القبلية بينهم.

وفي يوم آخر مرَّ شاس قيس أحد زعماء يهود المدينة على مجموعة من المسلمين من أهل المدينة فوجدهم متحابين متآلفين، فغاظه ذلك، فطلب من شاب يهودي يحفظ الشعر أن يذكر لهم شعرًا من شعر حرب بُعَاث، وهي حرب كانت قد طالت أربعين عامًا بين قبيلتي الأوس والخزرج قبل الإسلام، وذكر لهم الشعر، فهاجت العواطف وتجددت الجراح، وتفرق الناس بعد أن كانوا مجتمعين، وساد البغض بعد أن كان الحب يجمعهم، وبسرعة جاء محمد (صلى الله عليه وسلم) فأعاد بكلماته الحكيمة لهم عقولهم، وذكَّرهم - كما كان يقول دائمًا - أنها من الجاهلية، والآن إنهم أبناء دين واحد، وما مضى فات بحُلْوه ومُرّه، والآن يجب أن يكونوا في الحاضر لينهضوا بأنفسهم وينظروا إلى مستقبلهم، ولا يدعوا خلافًا مضى زمنه أن يحكمهم اليوم، وأن يتحكم في مصائرنا اليوم.

وبهذه العقلية الحكيمة الهادئة المتفتحة عاد الناس إلى صوابهم، وندموا على تصرفهم واعتذر كل رجل لأخيه، وتعانقوا وذهب الغل والحقد من النفوس وعادت المحبة والصفاء.

وبلغ محمدًا (صلى الله عليه وسلم) إثر غزوة بني المصطلق أن عبد الله بن عبد الله بن أُبَي يرفض دخول أبيه المدينة بعدما علم من أفعاله وكيده، وأنه يرفع السلاح في وجهه، فأرسل سريعًا إليه أن يكُفّ عن هذا، ويحسن صحبته فالأب مهما فعل لا يمكن أن يعامل بهذه المعاملة حتى لو كان منافقاً.

وأصبح النفاق كيانًا يلفظ أنفاسه في مجتمع المدينة، وأصبح المنافقون في حاجة ماسة إلى ترتيب صفوفهم، وإعادة تنظيم أوراقهم، خاصة بعد وفاة كبيرهم عبد الله بن أُبَي.

فقرروا أن يكون لهم مكان اجتماع شرعي، لا يُطاردون فيه، ثم يحصلون على الشرعية ليسهل انضمام الناس إليهم، وليس هناك أفضل من المسجد بوصفه مكان تجمع شرعي، فبَنَوْا مسجدًا منفردًا مستقلاً بعيدًا يكون مكانًا لاجتماعاتهم، وأرادوا من القيادة مباركة هذا المكان؛ كي يحصلوا بهذا على الشرعية، وكان هذا الوقت وقت خروج محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى غزوة تبوك، فأجّل محمد (صلى الله عليه وسلم) زيارتهم حتى يعود من تبوك، وفوَّت عليهم تلك الفرصة؛ لأنه أحسَّ أن هناك شيئًا ما يُرَتَّب له خلال رحلة تبوك، وأرادوا أن يصلي في مسجدهم هذا قبل السفر.

وبالفعل حاولوا اغتيال محمد (صلى الله عليه وسلم) عند العودة من تبوك، ولكن الله نجَّاه من هذه المحاولة، وعندما رجع قرر هدم ذلك المسجد الذي أُعِدّ لمحاربة الله ورسوله والكيد لدينه ونزلت آيات قرآنية في تلك الحادثة وفيها: (التوبة: 107 -108).

فأرسل (صلى الله عليه وسلم) من يحرقه بالنار، وانتهى دور المنافقين تمامًا في عهد محمد (صلى الله عليه وسلم).

--------------------------------------------------------------------------------

([1])أخرجه البخاري (3281)، ومسلم (2175).

([2])أخرجه البخاري، ومسلم .

([3])أخرجه البخاري (4525)، ومسلم (2584).