Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

عند توقف الجيش للراحة بعد عودته من غزوة بني المصطلق حدثت مشكلة بين بعض الصحابة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الجيش باستئناف المسير فما الحكمة من ذلك؟

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

شهدت علاقة محمد (صلى الله عليه وسلم) بأصحابه نوعًا راقيًا من المعاني والمشاعر والروابط،هو ما جعلها نموذجًا متفردًا في العلاقات التي قامت بين الناس عبر التاريخ البشري أجمع،وربما يعرف شيئًا قريبًا من معناها مَن علِم علاقات الأنبياء السابقين له بحوارييهم وتلاميذهم وأصحابهم، إنها نوع من العلاقة التي يمكن للواحد منهم فيها أن يضحي بنفسه حبًّا للآخر، وتضرب أغرب الأمثلة وأروعها في التضحية والفداء والبذل والعطاء والحب والمودة.إننا في حديثنا عن محمد (صلى الله عليه وسلم) مع أصحابه إنما نتحدث عن فريق عمل غير مسبوق، استطاع أن يعطي نموذجًا متميزًا على مستوى التطبيقات المختلفة تربوية كانت أو سياسية أو عسكرية أو إيمانية، ونتحدث عن معنًى من معاني التعاون والتنسيق والتكامل والتآلف والتفاهم كان سببًا رئيسًا في نجاح كل الإنجازات التي قام بها هذا الفريق ومربيهم محمد(صلى الله عليه وسلم).

بين معاني الصحبة والأبوة:

كان محمد (صلى الله عليه وسلم) مع أصحابه بمثابة الأب الحاني، والصاحب المعطاء، فهو الساهر على مصالحهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويشاركهم مشكلاتهم، ويعينهم على حلها، ويقترح عليهم ما يصلح شأنهم، ويعلمهم ما يجهلون من شؤون الحياة، ولهذا كانوا يرون فيه الشفيق عليهم والناصح والمعلم لهم، يستشيرونه في أمورهم ، ويطلبون رأيه فيما يعضل عليهم، وهو لا يتململ ولا يتأفف ولا يضجر، يقول صاحبه وخليفته عثمان بن عفان: لقد صحبنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في السفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير([1]).وقال أبو سفيان - وهو يومئذ عدو لمحمد (صلى الله عليه وسلم) - : ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا([2]).وقال صاحبه سعد بن معاذ يوم بدر: يا نبي الله! ألا نبني لك عريشًا؛ تكون فيه ونعد ركائبك فنلقى عدونا؛ فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببناه، وإن كانت الأخرى جلستَ على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا؛ فقد تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد حبًّا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، ويناصحونك، ويجاهدون معك.وقد حكَّم الصحابةُ محمدًا في أنفسهم وأموالهم؛ فقالوا: يا رسول الله! هذه أموالنا بين يديك فاحكم فيها بما شئت، وهذه نفوسنا بين يديك، فلو استعرضت بنا البحر لخضناه، نقاتل بين يديك ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالك([3]).وقال صاحبه عمرو بن العاص: ما كان أحد أحبَّ إليَّ من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أُطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالاً له، ولو سُئلت أن أصفه ما أطقتُ؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه.([4])وسُئل علي بن أبي طالب: كيف كان حبكم لرسول الله؟ قال: «كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ».([5])

لقد كان يشعر الجميع بأبوته (صلى الله عليه وسلم) الصغير منهم والكبير، حتى من كان متقدمًا عليه في السن كان يشعر هذا الشعور أيضًا، حتى إنه كان يقول لهم فيما رواه أبو هريرة عنه (صلى الله عليه وسلم): «إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلِّمكم» ([6]).ولذلك حينما يسأل العباس عمه: أيكما أكبر؟! فإذا به يقول: «رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أكبر، وأنا وُلِدْت قبله»!.ويحكي خادمه أنس أنه دعاه ذات يوم؛ فقال له: «يا بُنَيّ! إذا دخلتَ على أهلك فسلِّم؛ يكن بركةً عليك وعلى أهل بيتك» ([7]).وكان أحدهم ُيسِرّ لمحمد (صلى الله عليه وسلم) بما لا يُسِرّ به لأقرب الناس إليه، فيذكر القرآن أن امرأة كبيرة استأذنت عليه فحدثته حديثًا قريبًا من الهمس لا يسمعه أحد، واشتكت له شكواها، فأنزل الله في القرآن قوله تعالى:  (المجادلة: ١)، تقول عائشة: «إنها كانت في الحجرة ذاتها ولم تكن تسمع حديث المرأة»([8]).ويقول أنس - وكان صبيًّا - : « أتى علي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا ألعب مع الغلمان، فسلَّم علينا، فبعثني إلى حاجة، فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أحدا..»([9])وحذيفة بن اليمان يختصه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بسِرّ لا يعلمه أحد من الصحابة إلا حذيفة، وهو سر أسماء المنافقين، فكان هذا سرًّا مشتركًا بينه وبينهم.وفاطمة يُسِرّ إليها (صلى الله عليه وسلم) قبل أن يموت بلحظات قليلة؛ فقال لها، فبكت، وقال لها آخر فضحكت؛ فأما الأول فإن موته في هذا المرض، وأما الآخر فإنها أول أهله لحوقًا به ([10]). وحفظت سِرّه وما أخبرت به إلا بعد موته.

تفقُّد وشفقة:

لم يكن محمد (صلى الله عليه وسلم) يعيش بعيدًا عن أصحابه، بل كان يتفقدهم تفقُّد الأب الحاني الشفيق، فما أن يفتقد أحدهم عن ناظريه إلا ويسأل عنه، فإن كان مريضًا سارع إلى عيادته، وإن كان مسافرًا خَلَفَه في أولاده، وإن كان في حاجة سارع إلى قضائها له، وهذا ما كان يفعله مع الصغير والكبير، والغني والفقير بلا استثناء. في غزوة تبوك التي جمعت أكبر عدد من المسلمين تجمع في غزوة من الغزوات حيث بلغ عددهم ثلاثين ألفًا، وتجمع من خارج المدينة الكثير من الصحابة، وكان محمد (صلى الله عليه وسلم) كعادته يتفقد أصحابه، فإذا به في الطريق يقول: «ما فعل كعب بن مالك؟»([11])، أي. يسأل عنه، من بين تلك الألوف، ويلحظ غيابه بين هذا العدد الضخم،ولم يشغله الاستعداد لقتال أكبر قوة عسكرية في ذلك الوقت - الروم - ولم يشغله كثرة العدد مع صعوبات إطعام ثلاثين ألفًا لمدة شهر ذهابًا وإيابًا، وإسكانهم في الطريق، ورغم كل هذا حرص على تفقد أحوال أصحابه والسؤال عن غائبهم.ولم يكن هذا التفقد للرجال فقط ولا في ساحة الحرب فقط، بل حدث ذات مرة أن تغيبت امرأة فقيرة عجوز لم يكن يعرفها إلا القليل، ولكنها كانت تَقُمّ المسجد- أي : تنظِّفه - ، وتغيبت أيامًا، فسأل عنها محمد (صلى الله عليه وسلم) فقيل له: إنها ماتت، فقال: هلا آذنتموني! – أي: لم تخبروني بوفاتها - «فأتى قبرها فصلَّى عليها ودعا لها»([12]).وبينما يعود بجيشه ذات مرة، ويتأخر عن الجيش إلى مؤخرته؛ فيجد صاحبه جابر بن عبد الله وقد تأخر بعيره؛ فيسأله عن حاله وأحوال أخواته، وقد كان له سبعة من الأخوات تركهن له أبوه، وسأله محمد (صلى الله عليه وسلم) عن حاله جميعًا، فأخبره أنه قد تزوج([13]).إنها وقائع كثيرة ومتتابعة تدل على مدى اهتمامه بأحوال أصحابه وتفقّده لهم.

إسعادهم وإهداء السرور إليهم:

إنها ولا شك سعادة بالغة تلك التي يستشعرها المرء عندما يُسعِد الآخرين أو يشارك في إسعادهم أو تخفيف آلامهم، سعادة لا تَحس بها إلا النفوس التي جعلت من قيمها ومبادئها نبراسًا حياتيًّا لها، وجعلت سبيلها سعيًا في طرقات الخير والإصلاح.إن الحياة كدّ وتعب ومشقة وصعاب ومشكلات واختبارات وآلام، وما يصفو منها  ما يلبث أن يتكدر، والناس كل الناس بحاجة إلى يد حانية، تربت على أكتافهم في أوقات المصائب، وتقوم انكسارهم في أوقات الآلام، ومن طالت به خبرته بالحياة علم أن أعلى الناس فيها قدرًا هم الباذلون جهدهم لإسعاد غيرهم.لقد أدرك محمد (صلى الله عليه وسلم) هذا المعنى إدراكًا واضحًا، وجعل إسعاد الآخرين هدفًا من أهم أهدافه، وإذا به يقول لأمته في حديثه: «إن من أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على قلب المؤمن، وأن يفرِّج عنه غمًّا، أو يقضي عنه دينًا، أو يطعمه من جوع»([14]).ويقول: «إن أحب الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض: إدخال السرور على المسلم، كسوتَ عورته، أو أشبعتَ جوعته، أو قضيتَ حاجته».([15])ولقد بذل محمد (صلى الله عليه وسلم) من نفسه الجهد؛ رجاءَ نفع الناس وإسعادهم، تحكي زوجته عائشة - رضي الله عنها - أنها سُئلت: هل كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي قاعدًا؟ قالت: «نعم، بعدما حَطَمه الناس» ([16]) ، يعني: أتعبوه وأرهقوه، وأذهبوا قوته من حرصه عليهم. بل كان ُيرغِّب أصحابه في تفريج كربات الناس، وإذهاب همومهم، والتيسير على المعسرين في الأموال، وإمهال المدينين في دينهم، وأن يكونوا عونًا لبعضهم، فيقول في حديثه: « من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون »([17]).وعلَّم أصحابه دومًا أن يسعوا لإدخال السرور على إخوانهم، بأن يسألوا عن أحوالهم ويسارعوا في نجدة مصابهم ومداواة مريضهم وحل مشكلاتهم، مهما كلفهم ذلك تعبًا في أجسادهم، أو بذلاً من أموالهم أو شغلاً في أوقاتهم؛ رجاء ثواب الله تعالى في بسمة سرور ورضا من هذا الحزين بعد زوال حزنه، فيُسرها الصالح في نفسه ليُعدها في صالحات أعماله يوم اللقاء.

مبادئ تربوية علَّمها لهم:

إن قيادة الجيوش تحتاج مع العلوم العسكرية إلى التربية على معاني العسكرية، وولاية القضاء تحتاج مع علوم القضاء إلى تربية على مفاهيم القضاء، وسياسة الأمم تحتاج مع العلوم السياسية إلى تربية على الحقوق السياسية.ومحمد (صلى الله عليه وسلم) قد قدَّم لنا زاداً  قِيَمِيًّا تربويًّا في القدرة على تغيير ما في  طبائع النفوس وصفاتها.

 ‌أ-   فقد كانت له (صلى الله عليه وسلم) نظرة خاصة في نفوس الناس وفي شخصياتهم من حوله، فيتفهم نواقصها ويحاول سد الخلل فيها، ويعرف أمراضها ويحاول علاجها بطريقة أو بأخرى، فإذا سُئل سؤالاً إنما يرد عليه إجابة تتناسب مع السائل وحاله، ناظرًا لما يصلحه، ثم ربما سئل السؤال نفسه من شخص آخر؛ فيرد بإجابة أخرى تلفت نظر السائل إلى أمر آخر قد يحتاجه، ويناسب شخصيته وطبيعته.جاءه رجل فسأله: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيله»، وجاءه آخر وسأله: أي الأعمال أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله»، وجاءه ثالث فسأله: أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله، ثم الجهاد في سبيل الله ثم حج مبرور».ويأتيه إنسان فيقول له: أوصني، فيقول له: «لا تغضب، فيكرر عليه السؤال وهو يكرر عليه الإجابة نفسها»([18]).ثم يأتيه آخر فيقول له: أوصني، فيقول له: «أوصيك بتقوى الله»([19]).ثم يأتيه ثالث فيقول له: أوصني، فيقول له: «أوصيك ألا تكون لعَّانًا»([20]).ويتيه رابع فيقول له: أوصني، فيقول له: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»([21]).ويأتيه خامس فيقول له: أوصني، فيقول له: «لا تحقرن من المعروف شيئًا»([22]).

 ‌ب-    أسَّس (صلى الله عليه وسلم) تعامله معهم على أساس مهم آخر، وهو استصغار شأن الدنيا والمتاع وتهوينه، وكان يطبق ذلك على نفسه أولاً في سلوكه قبل كلامه،فيعلمهم قيمة الحياة ثم يربيهم عليها تربية عملية حسب المواقف التي يمرون بها، فالناس يتزاحمون على الدنيا، وعليها يتقاتلون، وفيها يختصمون، وعليها ومن أجلها يفارق المرء أباه وأمه، ويقطع رحمه، وقد يغفل الناس عن سبب ذلك التقاطع والخلاف وهو عدم معرفتهم حقيقة الدنيا، فسعى محمد (صلى الله عليه وسلم) جاهدًا أن يفهمهم حقيقتها ويعرفهم قيمتها، ويزيل الستار عن واقعها المرير، فيمر هو وأصحابه على جدي ميت مقطوع الأذن ملقًى على قارعة الطريق، فيسأل أصحابه: «أيكم يشتري هذا بدرهم؟» وهنا يرد الصحابة: «ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟» فيقول: «أتحبون أنه لكم بغير ثمن؟ قالوا: والله لو كان حيًّا لكان عيبًا، إنه أسك - مقطوع الأذن - فكيف وهو ميت، فيقول لهم (صلى الله عليه وسلم): «والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم».([23])إنه يعطيهم درسًا عمليًّا في قيمة الدنيا يغني عن المواعظ والمقالات.وكان يقول لأصحابه: «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بماذا يرجع»([24]).ويعيش معهم كواحد منهم لا فرق بينه وبينهم، حتى إن الداخل عليهم لا يكاد يعرفه من بين أصحابه، يقول عدي بن حاتم - أحد أكابر العرب وزعيم قبيلة طيء - : «فأتيت النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو جالس على وسادة، فلما رآني قائماً قام، وأخذ الوسادة فألقاها إليّ، فجلست عليها، وجلس هو بالأرض فلما رأيته صنع ما صنع وقعت علي غضاضة – ذلة وتواضع وعيب - وعلمت أنه ليس يريد علوًّا في الدنيا ولا فساًدا، وعلمت أنه ليس بمَلِك»([25]).

ويقول صاحبه ابن عباس: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي - أعالي المدينة - لِيَدْعُو رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) بنصْفِ اللَّيْلِ عَلَى خُبْزِ الشَّعِيرِ فَيُجِيبُه، وكان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعقل الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير، ويقول عمر بن الخطاب - صاحبه وخليفته -: ناداه أعرابي يومًا ثلاث مرات، فكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرد عليه في كل مرة «لبيك.. لبيك.. لبيك» - تأدبًا واستجابة وتواضعًا-، وكان يقول (صلى الله عليه وسلم): «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»([26]).إن كل الحضارات السابقة عن الإسلام واللاحقة به اجتمعت على صفة واحدة - كما يقول ( أرنولد توينبي) صاحب كتاب                       (قصة الحضارة) -: «إن كل الحضارات اختلفت في قيمها ومبادئها، واختلفت في كل شيء، ولم تتفق إلا على شيء واحد، ألا وهو أن كل حضارة جعلت أبناءها أرقى شعوب الأرض، وجعلت الناس دونهم، ولكن الإسلام جاء بحقيقة مخالفة تمامًا لم يُسبَق، لا تجعل أبناءها أفضل ولا أرقى شعوب الأرض من حيث الخلقة، فأرست حقيقة مهمة ظل محمد (صلى الله عليه وسلم) يقررها فيقول: «كلكم بنو آدم وآدم من تراب»([27]).وقد بذل محمد (صلى الله عليه وسلم) جهده في ترسيخ هذا المفهوم عند أصحابه، خصوصًا وأنه كان قد تأصل عندهم الفرق بين الناس، وأنه لا تساو مطلقًا بين الحر والعبد ولا بين الرجل والمرأة ولا بين الشريف والضعيف،قال أبو مسعود البدري: كنت أضرب غلاما لي بالسوط؛ فسمعت صوتا من خلفي: «اعلم أبا مسعود!» فلم أفهم الصوت من الغضب قال: فلما دنا مني إذا هو رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فإذا هو يقول اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود قال فألقيت السوط من يدي فقال : «اعلم أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام»، قال: فقلت لا أضرب مملوكا بعده أبدا.([28])

ثم ها نحن أمام موقف يؤكد على ذلك المعنى الذي نسوقه بين محمد وأصحابه، وكيف أنهم اتبعوا تعاليمه وطبَّقوها خير تطبيق، يحكي المعرور بن سويد يقول: رأيت أبا ذر الغفاري t وعليه حلة وعلى غلامه حلة فسألناه عن ذلك؛ فقال إني ساببت رجلا فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي (صلى الله عليه وسلم): أعيرته بأمه؟! ثم قال: إن إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم([29]).فانر كيف أن راوي الحديث يلحظ أن أبا ذر صاحب محمد (صلى الله عليه وسلم) يلبس هو وخادمه الثوب نفسه قبل أن يحكي له قصته، ثم يحكي له أنه يومًا سبَّ رجلاً وعيَّره بأن أمه سوداء، فاشتكاه الرجل لمحمد (صلى الله عليه وسلم).ويروي كيف أن محمدًا قد غضب، وقال له: إنك رجل لا تزال بك بقية من جاهلية في التفاضل بين الناس، ثم يأمره أن يُحسن إلى خَدَمه وغلمانه، فيطعمهم مما يأكل، ويلبسهم مما يلبس، ولا يكلفهم ما لا يقدرون عليه، وإن كلفهم أن يشاركهم ويعينهم، ومن الواضح أن أبا ذر قد وعى الدرس جيدًا.ولم يكن محمد (صلى الله عليه وسلم) يأمرهم به وينساه، فهذا خادمه أنس بن مالك يقول: «لقد خدمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عشر سنين، فما قال: أُفّ يومًا، ولا قال لي في شيء فعلته: لِمَ فعلتَه؟ ولشيء لم أفعله: لِمَ لَمْ تفعله؟».([30])ولما أن أرادوا حفر خندق حول المدينة لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعيداً عن أصحابه، ولكن كان في وسط الميدان، يسبقهم في العمل والحفر، وحمل التراب مع كبر سنه وتعب جسده، وكلما اعترضتهم صخرة شديدة ينادونه؛ فيأتي إليها ويضربها مشاركًا معهم فتنكسر. لقد عاش محمد (صلى الله عليه وسلم) قدوة لأصحابه في كل أمر يأمرهم به، وفي كل نهي ينهاهم عنه، وكان كثيرًا ما يحثّهم على العمل أو ينهاهم عنه بفعله لا بكلماته، ولا شك أن تأثير العمل بالقدوة تأثير بالغ في النفوس؛ ولهذا كان يشاركهم دومًا في الأعمال بل يسبقهم إليها في كثير من الأحيان.

تقدير واحترام:

إن المربِّي الذي يعتمد في إتمام أعماله على الأوامر والتحذيرات فحسب، ويجعل علاقته بأفراد فريقه علاقة رئيس بمرؤوسين؛ ما يلبث أن يفقد أثره بينهم في المواقف المختلفة وخصوصًا الأزمات.لقد أدرك محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه مُرَبٍّ ومعلم قبل أن يكون رئيسًا لأمته، فلم تكن علاقته بأصحابه علاقة الرئيس بالمرؤوسين، ولا علاقة القائد بالأتباع، لكنها كانت علاقة ربانية قائمة على الحب المتبادل، والاحترام الكامل، والتقدير البالغ.إنه يعطيهم قدرهم ويرفع شأنهم أمام أبناء أمته جميعًا، فيقول: «لا تسبوا أصحابي، فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه»([31]).إنه تقدير بالغ لأصحابه ولأعمالهم الحميدة، وبذلهم وعطائهم وصبرهم معه وتحملهم مسؤولية الرسالة حتى صلُب عودها، واشتد ساعدها.بل إنه يقرأ القرآن وفيه آيات صريحات في إكرامهم والرضا من الله عنهم فقد قال تعالى:  (الفتح: 18). وكان يقول للناس: «عليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ»([32]). ويقول:  «لا يُبَلِّغني أحد شيئًا عن أصحابي»([33]).

--------------------------------------------------------------------------------
([1]) أخرجه أحمد (506).
([2]) البداية والنهاية: 4/65.
([3]) أصله في مسلم (1739).
([4])أخرجه مسلم (121).
([5]) شرح الشفا: 2/40.
([6]) أخرجه أبو داود (8).
([7])أخرجه الترمذي (2698).
([8])أخرجه النسائي (3460)، وأبن ماجه (188)
([9])أخرجه مسلم (2484)
([10])أخرجه البخاري (3624)، ومسلم (2450)
([11])أخرجه البخاري (4418)، ومسلم (2769).
([12]) أخرجه البخاري (458)، ومسلم (1527).
([13])أخرجه البخاري (2097)، ومسلم (715).
([14]) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، والطبراني في الأوسط.
([15]) أخرجه الطبراني في الأوسط.
([16])أخرجه مسلم (732).
(4) أخرجه مسلم (2699)، والبخاري بلفظ مقارب من حديث ابن عمر (2442).
([18])أخرجه البخاري (6116).
([19]) أخرجه أحمد (8111)، وابن ماجه (2771).
([20]) أخرجه أحمد ( 20155 ) .
([21]) أخرجه أحمد (20874)، والترمذي (1987).
([22])أخرجه أبو داود (4082).
([23])أخرجه مسلم (2957).
([24]) أخرجه مسلم (2858).
[25]) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة .
([26]) مختصر شمائل الترمذي، 284.
([27]) تاريخ الحضارة.
([28])أخرجه مسلم (1659).
([29])أخرجه البخاري (2545)، ومسلم (1661).
([30])أخرجه البخاري (6038)، ومسلم (2309).
([31])أخرجه البخاري (3673)، ومسلم (2540).
([32]) أخرجه الترمذي (2600)، وابن ماجه (43).
([33])أخرجه أبو داود (4218)، والترمذي (3831).