Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          نصرته وتوقيره:

توقيره صلى الله عليه وسلم بعد وفاته, يكون باتباع سنته, وتعظيم أمره, وقبول حكمه, والتأدب مع كلامه, وعدم مخالفة حديثه لرأي أو مذهب. قال الإمام الشافعي : أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

يستطيع المراقب لتعامل محمد (صلى الله عليه وسلم) مع المحيطين به أن يلحظ كيف كان يتفاعل مع مجتمعه أفرادًا وجماعات، ويحيا آلامهم ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم، ويعدّ نفسه جزءًا لا يتجزأ من مجتمعهم، وربما من أشخاصهم أيضًا.لقد كان محمد (صلى الله عليه وسلم) يمثل محورًا حياتيًّا مهمًّا لأفراد مجتمعه الذي يحيط به، ورآه الآخرون شخصية لا يمكن أن تُهمَل بحال، بل رأوه مؤثرًا فيهم تأثيرًا كبيرًا لدرجة التغيير الواقع في حياتهم كل على حدهَ، واستوى في ذلك القريب والبعيد، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، ومن صحبه طويلاً ومن لقيه مرة واحدة في حياته، بل قد امتد أثره عبر الأجيال والسنين إلى كل من قرأ سيرته وتتبع أحواله وتعاليمه. ولا شك أن هناك سمات مميزة قد ميَّزت هذا الرجل، وميزت طبيعة تعامله مع غيره من الناس، جعلت الناس يتأثرون به، وجعلته يترك بصماته الواضحة على حياتهم وأفكارهم، نحاول أن نقف معًا على بعضها باختصار.

عندما تثبت صفات الرجل:
كثيرًا ما نصادف أناسًا يتغيرون بتغير الظروف والمواقف التي يمرون بها، وتتبدل صفاتهم وطبائعهم تبعًا لمصالحهم أو منافعهم، أو ربما تبعًا للضغوط التي تُمَارس عليهم أو الحاجات التي هم معوزون إليها، وتتبدل    من ثَمَّ ردود أفعالهم ونظرتهم إلى الأمور، وفي بعض الأحيان يصل الأمر إلى أن تتبدل قيمهم ومبادئهم. أما محمد (صلى الله عليه وسلم) فقد تغيرت الظروف التي عاشها، وتبدلت كثيرًا من مرحلة اليتم والفقر إلى مرحلة القدرة على اكتساب المال، ومن مرحلة الاستضعاف والمطاردة والإيذاء إلى مرحلة التمكين والغلبة والرئاسة، ومن مرحلة الهزيمة إلى مرحلة النصر، ومن المطاردة في الكهوف إلى مراسلة الملوك والرؤساء، هكذا تغيرت الظروف من حوله، ولكننا نستطيع أن نقول: إنه لم تتغير قراراته وردود أفعاله ونظرته إلى الأشياء جميعًا.فلم يُوهن الفقر عزيمته، ولم يُطْغِه الغنى، ولم يُمتهن وهو مستضعَف، ولم يتجبر وهو قوي، ولم ينافق ولم يداهن وهو ضعيف، ولم ينتقم وهو غالب منتصر، بل عاش على مبادئه وعلى قيمه، وانتصر على الظروف، ولم تنل منه تلك الظروف؛ رغم تغيرها وتبدلها الشديد. لقد كوَّن محمد (صلى الله عليه وسلم) لنفسه منظومة فكرية ورسالة واضحة،استمدها من وحي الله تعالى، وثبت عليها، وبنى عليها مواقفه جميعًا، حتى إن المحيطين به كانوا يعرفون مبادئه ويحفظون قيمه ويتحدثون بثوابته ويتوقعون ردود أفعاله في كثير من الأحيان، ولعل من هذا ما علمه أهل مكة عنه يوم الفتح، حين جاؤوه من قبل وجهه وقالوا:  (يوسف: ٩١)، فهم يعلمون يقينًا ثبات مبادئه وردود أفعاله في مواقفه، فكان رده هو العفو عنهم، كما توقعوا تمامًا، وقال: (يوسف: ٩٢)([1]). كذلك فقد كانت الحقوق عنده مصونة محفوظة لا يمنعها غضبه ولا يزيدها رضاه، ولا يخشى إنسان على حقه، مهما غاب عنه، ولا يطمع في غير حقه مهما فعل، إذا علمنا ذلك فقد لا نتعجب من فعل أهل مكة الذين كانوا يحاربونه ويخططون لقتله، ولكنهم في الوقت ذاته كانوا يأتمنونه على أماناتهم ولا يأتمنون أحدًا سواه من ساداتهم.

لغة القلوب:
كان محمد (صلى الله عليه وسلم) بسيطًا غير متكلف، فإذا غضب بان ذلك في وجهه بوضوح وكأنه تفقأ في وجهه حَب الرُّمان([2])، وإذا حزن ظهر الحزن على وجهه، بل ربما يبكي بين أصحابه، وإذا فرح بانت بسماته وسروره حتى يشعروا بالسعادة الغامرة معه. إنه لم يتصنَّع في موقف قط، ولم يكذب في مشاعره قط، وما أن يجلس إليه رجل إلا وتأسره تلك البساطة والتلقائية، بل قد جاء إليه من هو كافر به يبغضه، ثم إذا به يخرج من عنده وهو محب له!كما حدث مع ثمامة بن أثال  إذ قال: «يا محمد! والله لقد جئتك وما وجه أبغض إليَّ من وجهك، ولا دين أبغض إليّ من دينك، ولا بلد أبغض إليَّ من بلدك، ثم لقد أصبحت وما وجه أحب إليَّ من وجهك، ولا دين أحب إليَّ من دينك، ولا بلد أحب إليَّ من بلدك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله»([3]).

ضد الغموض:
الوضوح قرين الصدق، وهو صفة تجمع الناس وتُطمئن قلوبهم، وقد كان محمد e واضحًا في مراداته وضوح الشمس، فلم يكن بالإنسان الغامض الذي لا يعرف أحد دواخله ومنطويات نفسه، بل كان منضبطًا بأوامر ربه تبارك وتعالى، يُرضيه ما يُرضي ربه، ويُغضبه ما يغضبه تعالى.كان يسالم ويحارب، يحب ويكره، يصادق ويفارق. ولكن كان كل فعل من أفعاله منضبطًا بقواعد واضحة، ولا محاباة لأحد كائنًا من كان، فلم يحكم الهوى تصرفاته يومًا، ولم تؤثِّر المصلحة على أحكامه وعلاقاته كما سيتضح تماماً في ثنايا هذا الكتاب.

عفو  و إحسان:
هناك من الناس طائفة إذا ظلمت تَرُد الصاع صاعين، وهناك طائفة أخرى ترد بالمثل أخذًا وعطاء، ولكنّ هناك أفرادًا معدودين يتعاملون بالحسنى والإحسان، فإذا ظُلموا غفروا، وإذا أُوذوا صبروا، وإذا مُنعوا أعطوا، وإذا قُطعوا وصلوا، وهكذا كان محمد (صلى الله عليه وسلم)، إنه يحكي عن نفسه أن تلك الأخلاق إنما هي أوامر ربانية قد أُمِرَ بها من ربه؛ كما في قوله: «أُمِرْت أن أعطي من حرمني، وأن أَصِلَ من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني».لقد وصل بمحمد (صلى الله عليه وسلم) تطبيق تلك الصفات حتى إنه كان يرى بعينيه قاتلة عمه المحبب إلى قلبه حمزة بن عبد المطلب t، والتي تآمرت عليه حتى قتلته، ثم مثَّلت به بعد موته، جاءته تعلن إسلامها فإذا بمحمد (صلى الله عليه وسلم) يعفو عنها ويغفر إساءتها، ويعتدّها أختًا له في الدين، ويبشرها بأن الإسلام يهدم ما قبله، فأيّ قلب يتحمل هذا، وأي نفس تعفو عن تلك؟

--------------------------------------------------------------------------------

 ([1])صححه الألباني في تعليقه على فقه السيرة (376).

([2]) أخرجه أحمد (6806)، والترمذي (1846).

([3]) أخرجه البخاري (4372)، ومسلم (1764).