Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

انشغال فكر الطالب بما مضى، يقلص رصيده من المثابرة والتركيز بعد كل امتحان يؤديه، مع أن أحسن النتائج لا تكون إلا بالحفاظ على ذلك الرصيد، ويقين الطالب أن ما جف به قلمه على ورقة الإجابة هو ما جفت به المقادير، فيحرص على القادم ولا يتحسر على الماضي، وفي الحديث: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، ولا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل). رواه مسلم .  

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
al_mawsuaa_maysira.jpg

مكةُ هي البلدُ الذي ابتدأ عمارَته أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وكانت من بعده مدينةَ العرب العظيمة، ومحورها الذي تدور حوله، وكانت - استجابةً لدعوة إبراهيم عليه السلام - أن صار الناس يَفِدُون إليها من كل مكان، وصارت ملتقى العرب أجمعين.نحن إذن أمام بيئة متميزة، تُمَارس فيها الشؤون الاجتماعية والسياسية المختلفة، ويتوفر فيها عناصر البناء الشخصي المستقيم، من غنًى بالخيرات، وأمنٍ اجتماعي، وشرفٍ، ومكانة اجتماعية، وممارسة سياسية على مستوًى عمليّ.فمجتمع قريش كان أعلى مجتمعات العرب فكرًا، وأشهرهم نسبًا، وكانت لغتهم هي أقوم اللغات، ولسانهم أقوم الألسنة، سواء كان ذلك على مستوى الأداء والفصاحة، أو البيان، ولذلك نجد العرب حريصين على عرض إنتاجهم الشعري والثقافي على القرشيين في موسم الحج كلَّ عام.أما من جهة الأمن الاجتماعي، والذي يلقي بظلاله على الشخصية، فيُضْفِي عليها الرزانة والهدوء والحلم، فقد كانت مكة بلدًا آمنًا مستقرًّا؛ لوجود البيت الحرام بها؛ إذ صارت بيتَ العرب الديني ودليلَ شرفهم؛ إلى البيت يحجون، وبه يأمنون.وقد كانوا لشدة تقديسهم لمكانة البيت الحرام يُحرِّمون على أنفسهم أن يتقاتلوا فيه، حتى إنهم مع تشديدهم على الأخذ بالثأر كانوا يُحرِّمونه على أنفسهم في الحرم المكي([1])،وقد كان الرجل يلقى قاتِلَ أبيه أو ابنه في الحرم، فلا يمسُّه بسوءٍ؛ تقديسًا لذلك المكان، وهو المعنى الذي يُثبِتُه التاريخ على مرَّ أجياله ، ويُدَوِّنُه القرآن الكريم
بقوله: (العنكبوت: ٦٧ ).كذلك يتضح أن محمدًا (صلى الله عليه وسلم) قد نشأ في بيئة غنية بالخيرات، ومزدهرة اقتصاديًّا، في مقابل ما كانت تعانيه القبائل العربية من حول قريش.

فقد كانت قريش ـ وهي بمكة ـ فكانت تعيش علاقات تجارية واسعة مع الروم وفارس، وكانت القوافل التجارية تغدو وتروح؛ ذاهبة إلى اليمن حاملة بضائع الروم، ومن اليمن تنفذ إلى ما ورائها من أرض فارس، وكانت البضائع الفارسية التي تُؤخَذ من اليمن تذهب إلى الشام لتصل إلى ما ورائه من الرومان، أضف إلى ذلك الرواج الكبير الناتج عن موسم الحج؛ حيث تجتمع القبائلُ كلها أو وفودها في ذلك المكان.أما الممارسة السياسية؛ فقد عاش محمد (صلى الله عليه وسلم) في بيت جده عبد المطلب، زعيمِ مكة، ثم انتقل بعد وفاة جده إلى بيت عمه أبي طالب زعيمها أيضًا من بعده، وكانت مكة بيئةً تُمَارس فيها الشؤون السياسية وقضايا التحاكم، وفضّ المنازعات، وترتيب شؤون القبائل، فعَرف محمد (صلى الله عليه وسلم) أحوال العالم من حوله، وشؤون القبائل والأحلاف.وكانت مكة لشدة اهتمام العرب بها قد لفتت أنظار الساسة إليها، بعدما أصبحت محور الحياة الدينية والسياسية والاقتصادية، في شبه الجزيرة العربية.ولم يَرْضَ بعضُ الساسة في المناطق المجاورة تلك المكانةَ، فحاولوا صرف الناس عنها بإقامة معابد في بلادهم؛ آملين أن يَحُجّ الناسُ إليها بدلاً من مكة، وكان من بينها وأشهرها تلك الكنيسة التي بناها الأحباش في صنعاء باليمن على يد مَلِكهم «أبرهة الحبشي»، إلا أنها باءت بالفشل الذريع؛ حيث لم يَحُجّ إليها أحدٌ من أبناء العرب، رغم زخرفتها المبهرة، وعمارتها المتميزة، ومن ثَمَّ قرَّر أبرهة أن يهدم الكعبة؛ انتقامًا منهم!

أعدَّ أبرهة جيشًا ضخمًا تتقدمه الأفيالُ، وتوجَّه إلى مكة لهدم الكعبة، إلا أن ذلك الجيش قد عاقبه الله بالأوبئة والأمراض، وأرسل على جنوده طيرًا كثيرًا في جماعات كبيرة، ألقت عليهم الحجارة الحارقة، فأبادتهم عن آخرهم، كما تقول الروايات المتكاثرة، وتعزو ذلك إلى عقاب رباني إلهيّ قد حلَّ على ذلك الجيش الظالم.وقد تحدَّث القرآن الكريم عن تلك الواقعة حديثًا واضحَ الدلالة على أنها معجزة إلهية، قد خصَّ الله بها الكعبة، وحمى بها الله بيته الحرام؛ يقول تعالى:  (الفيل: 1- 5).وكان ذلك العام نفسه هو العام الذي وُلِدَ فيه محمد (صلى الله عليه وسلم) الموافق (571م).

عناصر خاصة أثَّرت في شخصيته:
إن عناصرَ كثيرةً قد ساعدت على بلورة تلك الشخصية المتفردة على المستوى الخاص، كما ساهمت حوادثُ أبقت كل واحدةٍ منها أثرًا على جبين محمد (صلى الله عليه وسلم).فقد وُلد في أشرف بيت من بيوت العرب، وأعلاها مكانًا، وأنقاهًا نسلاً؛ لذا لم نجد أحدًا من أعدائه - سواء من قريش أو من المكذبين له - قد تجرَّأ على الطعن في نسبه أو شرفه أبدًا بحال، برغم أشد أنواع العداوة التي واجهوه بها، والتي بلغت أن أعدُّوا العُدَّة لاغتياله.وتروي لنا الروايات الصحيحة الثابتة حول الأسئلة التي وجَّهها هرقل، إمبراطور الروم، للوفد العربي الذي طلبه ليعرف منه أحوال النبي(صلى الله عليه وسلم) ، ولقيه في بلاطه الإمبراطوري، والذي كان في مقدمته أبو سفيان أعدى أعداء محمد (صلى الله عليه وسلم) في وقتها.تروي تلك الروايات أن هرقل قد سألهم أسئلة عديدة، كان من أولها: كيف نسبه فيكم؟ فأجابوا: هو من أشرفنا نسبًا، فقال هرقل: وكذلك لا يختار الله نبيًّا إلا من كرام القوم وأوسطهم نسبًا([2]). صحيحٌ أن الإسلام لا يُقيم وزنًا لشرف الأنساب تجاه الأعمال، ولكن الفضل يجتمع إذا اجتمع شرف النسب، وشرف العمل، كما عبَّر محمد (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك في حديثه، فقال: «الناس معادن، خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام، إذا فَقِهُوا»([3])، كذلك فإن العرب ما كانت لتسمع إلا لذوي الأنساب العالية فيهم، وحتى تُدْرَأ عنه شبهة أن رسالته ما هي إلا وسيلة لتغيير وضعه الاجتماعي.هناك أيضًا عنصر آخر مهم لا يمكننا أن نُغْفِله في تربية محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد مات أبوه في بداية حمل أمه به، فنشأ يتيمًا، ثم فقد أمه أيضًا وعمره ست سنوات فقط، فذاق في صغره أَلَم فقدان الوالدين وعطفهما، وهو ما جعله فيما بعدُ أكثر إحساسًا بالمعاني الإنسانية النبيلة، وجعل قلبه يمتلئ بالرحمة، والشفقة، والعطف نحو اليتامى، وأصحاب الآلام، وقد عبَّر القرآن الكريم عن ذلك تعبيرًا دقيقًا؛ فقال سبحانه: (الضحى: 6-10).

وهو ما ورد في القرآن الكريم عن نبي الله موسى عليه السلام، حيث أخبر الله عن رعايته ومحبته له فقال سبحانه  (طه:39-41). وكانت بداية نشأة محمد (صلى الله عليه وسلم) في بني سعد حتى نهاية سنواته الأربع؛ حيث الصحراء، فنشأ قَوِيَّ البنية، سليمَ الجسم، فصيح اللسان، جريءَ الجَنَان، يُحسِن ركوب الخيل على صِغَر سنّه.كما رعى الغنم في أوائل شبابه، وذلك الرعي أتاح له الهدوء الذي تتطلبه النفس الكريمة، كما علَّمه الصبر والحلم والتروٍّي والحذر، وعلّمه صفة الرحمة التي غدت ملازمة له حتى وصف بأنه نبي الرحمة.وقد أثبتت الروايات الصحيحة أنه ما من نبي من الأنبياء إلا وقد اشتغل بحرفة الرعي، فترةً من حياته، كما عبَّر عن ذلك محمد (صلى الله عليه وسلم) بقوله: «ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم» ،فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم؛ كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»([4])، يعني: أجزاءَ الدينار والدرهم.إنها إذن عملية تربوية مقننة، وضعت محمدًا (صلى الله عليه وسلم) في تلك الظروف المكانية والزمانية والشخصية؛ لتُخرِج لنا نموذجًا خاصًّا فريدًا من نماذج البشرية.

--------------------------------------------------------------------------------
([1]) محمد أبو زهرة، خاتم النبيين r (المؤتمر العالمي الأول للسيرة).
([2]) أخرجه البخاري (7) ، ومسلم (1773).
([3]) أخرجه البخاري (3383) ومسلم (2378).
([4]) أخرجه البخاري (2262).