Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          عرض النبي صلى الله عليه وسلم على أسارى بدر  أن يفتدي من يرغب منهم نفسه بتعليم عشرة أطفال من المسلمين القراءة والكتابة .. وهذا من حرصه صلى الله عليه وسلم على نشر العلم والتعلم بين المسلمين. (أ.د محمد أمحزون)

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
نبي الوفاء

محمد بن عبدالله الدويش

هجوتَ محمدًا وأجبت عنهُ
أتهجوه ولستَ له بكفءٍ
هجوتَ مباركاً برًا حنيفًا
أمن يهجو رسول الله منكم
فإنَّ أبي ووالده وعِرضي

   وعند الله في ذاك الجزاء
فشركما لخير كما الفداء
أمين الله شيمته الوفاء
ويمدحُه وينصُره سواء
لعرضِ  محمدٍ منكم وِقاءُ

مختارات من شعر حسان بن ثابت  في الثناء على رسول الله  

إن
كانت غلبة العاطفة خلق نفخر به نحن العرب إلا أنه لا يُعد محمودًا في كل
الأحوال، لأنه في الغالب يقود إلى التطرف العاطفي وينتج الكثير من الشخصيات
الحِدِّية، التي لا تعرف التوسط في الانفعالات والتوازن في العواطف، فتارة
نسمع عن مبالغات في مدح المحبوب وذكر محاسنه، وغض الطرف عن معائبه، وفي
المقابل تتبع عيوب المبغوض وتضخيم زلاته والإغضاء عن محامده، وإن كنَّا قد
اعتدنا على التطرف في المواقف فإن ما يدهش هو أن نسمع مقولة حق وشهادة
إنصاف جاءت على لسان من كان عدوًا محاربًا لصالح شخص أعلن وقوفه في وجه كل
مألوفات العرب الشركية كمحمد ، وإن جرى ذلك فهذا ينم عن عدم جدوى الكذب
عليه لشيوع خبر حُسن خلقه وذيوع طيب سيرته وتحديدًا وفاءه بالوعود وامتثاله
للعهود ..

فهذا أبو سفيان  يُحدِّث عن المحاورة التاريخية الشهيرة
التي جرت بينه وبين هرقل - وكان ذلك قبل إسلام أبي سفيان – وكان مما سأله
هرقل عن رسول الله  : هل يغدر؟ فقال

( أبو سفيان ) : لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها .. قال : ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة.

ومما
ينبغي التنويه عليه هو سؤال ( هرقل ) هل يغدر ؟ وتعقيبه بعد لترجمانه عن
مغزى سؤاله بقوله: ( فكذلك الرسل لا تغدر) فهذا ينم عن عظم شأن الوفاء في
حس العظماء، فلا يستحق أن يصطفى لمهمة جسيمة ومنصب رفيع إلا من اتصف بخلال
وفي مقدمتها ( الوفاء ) .

الوفاء بالوعود

إن الانضباط بالمواعيد المحددة سلفًا ينم عن شخصية جادة متزنة تعرف للزمن قيمته، وللعمل أهميته، وللأشخاص قدرهم.

فقد
جاء في كتب السير، من حديث عبد الله بن أبي الحمساء، قال : بايعت النبي 
ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم
تذكرت بعد ثلاث، فجئت فإذا هو في مكانه، فقال : ( يا فتى لقد شققت عليّ،
أنا ها هنا منذ ثلاث انتظرك )([1]) .

وكم نأسف حينما يُضرب لنا موعدٌ
الساعة السابعة مساءً مثلاً ولا يحضر صاحبنا إلا الثامنة، أو أن نتقيد
بموعد مفتوح كبعد صلاة المغرب ولا يحضر إلا بعد صلاة العشاء، فأضاع علينا
اغتنام الزمن الفائت ونحن مكبلون بقيود الانتظار !!

}سئل الإمام أحمد:كيف تعرف الكذابين؟قال:بماعيدهم{

وعن
جابر  قال : قال النبي  : ( لو قد جاء مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا
وهكذا ) فلم يجيء مال البحرين حتى قبض النبي ، فلما جاء مال البحرين أمر
أبو بكر فنادى : من كان له عند النبي  عدة أو دين فليأتنا، فأتيته فقلت :
إن النبي  قال لي كذا وكذا، فحثى لي حثية فعددتها، فإذا هي خمسمائة، وقال
:(خذ مثليها ) متفق عليه.

وهكذا قام أبو بكر  يفي بالوعود التي حالت
وفاة رسول الله  دون الوفاء بها، تنفيذًا لقوله  والتزامًا بسنته([2])
وما أكثر ما يُخطئ المربون والآباء والمدراء حينما يعد  أحدهم من أحسن
بمكافأة أو ترقية أو ما شابه، ثم ما تلبث الفرحة تتلاشى والسرور يعقبه نكد
مع طول الترقب وضياع الأماني..

( أنعم علي بما وعدت تكرمًا   فالمَطْلُ يُذْهبُ بَهجَة الإنعام )([3])

 

 

الوفاء بالعهد

والعهد
كالوعد إلا أنه يزيد عليه بالتوثيق الذي يقدمه صاحب العهد من أيمان مؤكدة
أو كتابة موثقة، والآيات الواردة في الأمر بالوفاء بالعهد كثيرة ومنها : 
وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا  [ الإسراء، 34 ]، وإذا رجعنا إلى
أخلاقه وشمائله وجدنا فيها من المواقف ما لا يحصى .

فقد أخرج مسلم
عن حذيفة بن اليمان، قال ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبو
حسيل، قال : فأخذنا كفار قريش قالوا : إنكم تريدون محمدًا ؟ قلنا : ما
نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى
المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله  فأخبرناه الخبر، فقال : (
انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم ) مسلم برقم ( 1787 ) .

تأملات :


فلقد أعانه رسول الله  على الوفاء بعهده مع شدة حاجته إليه بسبب قلة عدد
المسلمين وكثرة عدد المشركين، ولعمرك هذا هو الانتصار العظيم للعهود إن
كانت موثقة بأيمان مغلظة ثم تأمل قوله  : ( ونستعين بالله عليهم ) فهو طلب
المعونة من منبعها الأصلي وهذا يحفظ للمرء رباطة قلبه فلا تتسلل إليه
الهزيمة النفسية ولا تنتابه الأحزان وتناوشه الشكوك خوفًا مما يستقبل من
أحداث . ويتجلى تعظيم العهود في أرقى صوره في موقف آخر قد تتردد فيها النفس
البشرية بحكم ضعف طبيعتها وقد تجد لذلك مسوغًا لا سيما إذا رافق ذلك صورة
مؤلمة وموقف محزن من جراء التسلط والبطش، دعنا نقف وقفات تأملية مع هذا
الموقف الراسخ في ثباته على المبادئ تنفيذًا لأمر الله تعالى ورجاء لفضله .


كان من شروط صلح الحديبية : أن من جاء محمدًا  من قريش رده عليهم ومن جاء
قريشًا من المسلمين لم يردوه عليه، وما أن وصل الرسول  المدينة حتى
استطاع أبو بصير عتبة بن أسيد الثقفي أن يفلت من سجنه في مكة ويأتي إلى
المدينة . وأرسل المشركون في طلبه إلى رسول الله  فقالا : العهد الذي جعلت
لنا، فقال الرسول  : ( يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد
علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من
المستضعفين فرجًا ومخرجًا فانطلق إلى قومك ) .

قال : يا رسول الله، أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟!.

قال
: ( يا أبا بصير، انطلق فإن الله سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا
ومخرجًا ) . الحديث في البخاري برقم ( 2731، 2732 ) لقد كشفت هذه العبارة
الأخيرة لرسول الله  السر وراء الرضا بالقضاء والتسليم للمولى والثبات في
المواقف، إنها الثقة بوعد الله واليقين بحسن اختياره .. إن الربانيين لا
تنـزلق أقدامهم لتجرهم العواطف البشرية *استعجالاً للنصر أو توهم الرضا
بالظلم كما حدث في تصور البعض ممن عاين الموقف..

 ولنستمع إلى أبي رافع وهو يروي قصة إسلامه قال:
(
بعثتني قريش إلى رسول الله  فلما رأيت رسول الله  ألقي في قلبي الإسلام
فقلت : يا رسول الله إني والله لا أرجع إليهم أبدًا فقال رسول الله  : (
إني لا أخيس العَهْد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع فإن كان في نفسك الذي
نفسك الآن فارجع ) قال : فذهبت ثم أتيت النبي  فأسلمت (أبو داود.وقال
الألباني صحيح.السلسلة الصحيحة ج1/487)

 إن الرجل حديث عهد
بالإسلام، فقد أسلم لتوه، ولذا فهو أشد حاجة من غيره إلى البقاء في محضن
الرسول  حتى يشتد عوده ويصلب إيمانه، كما أن دخول رجل في الإسلام يسجل
كسبًا لا يعرف قدره إلا من يعرف أقدار الرجال ومنازلهم لا سيما إذا وضعنا
في حسباننا أمرين، الأول : حاجة الرسول  إلى تكثير سواد المسلمين من حوله
والثاني: إمعانًا في إغاظة الكفار فالرجل الذي أعلن إسلامه بين يدي محمد 
للتو رسول لهم !! كل هذه المغريات لم يجعلها محمد  مبررات لنقض العهد أو
غض الطرف عن بعض بنوده، فيا لروعة الأخلاق حينما تصهرها المواقف العصيبة
فيزداد بها المرء التزامًا وثباتًا ..

وفاء زوج

ما موقف الزوج
الشاب الصغير إذا ما تزوج من امرأة تكبره بخمسة عشر عامًا فهو ما زال في
ريعان الشباب ونضارته وهي في منتصف العمر، ما موقفه منها بعد مضي عشر سنوات
زيادة؟

ما موقف الزوج من زوجته التي ماتت وانقضت سيرتها وطويت
صحيفتها بعد أن بذلت عمرها في خدمته والصبر معه وأنجبت له الولد ثم تزوج
بعدها بنساء جئن في حال اليسار بعد الإعسار وفي زمن السعة بعد الشدة والضيق
ومع هذا فقد يفقن الأولى جمالاً وشبابًا؟

لم يكن الحبيب صلوات الله
وسلامه عليه ينسى من سكن إليه فؤاده أو يتجاهل فضل صاحب الفضل عليه، لم تكن
تشغله الأيام وتبعده الأعوام عمن مد له يد العطاء والمؤازرة، كانت في
ذاكرته ..

أحلى الأيام ... أيام ( خديجة )

وأجمل الذكريات ... ما عاشها مع ( خديجة )

وأمر الدموع والعبرات ... ما سكبها على ( خديجة )

وأعظم الأحزان ... حزنه على فراق ( خديجة )

ومن شواهد الوفاء ...

ما
قالته عائشة – رضي الله عنها – فقد كانت أثيرة ومحبوبة عند رسول الله ،
لم يتزوج بكرًا غيرها، تقول : ذكر رسول الله  يومًا ( خديجة ) – رضي الله
عنها – فامتدحها، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة فقلت : لقد أعقبك الله
يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر الأول،
فما أكثر ما تذكرها قالت : فتغير وجه رسول الله  تغيرًا لم أره قط إلا عند
نزول الوحي عليه ثم قال: ( ما أبدلني الله خيرًا منها .. وقد آمنت بي إذ
كفر الناس بي وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس،
ورزقني الله منها الولد ) أخرجه مسلم/155

وكما ورد في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام عن
( خديجة ) – رضي الله عنها – ( رزقت حبها ) .


بعد هجرته ومضي سنين على وفاة ( خديجة ) جاءته أخت ( خديجة ) ( هالة بنت
خويلد ) – رضي الله عنهن – فاستأذنت عليه وعرفها فورًا قبل أن يراها لشبه
استئذانها باستئذان ( خديجة ) فتحركت فيه الذكرى القديمة فقال لفوره:
(اللهم هالة .. اللهم هالة) أخرجه مسلم

 كان رسول الله  ربما يذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء عديدة ثم لا يزال يرسل بأعضائها إلى صويحبات ( خديجة) رضي الله عنها ـ مسلم


دخلت امرأة عجوز من أهل مكة على رسول الله  فهمس لها وقام لها وأحسن
استقبالها وفرش لها رداءه ورق لها رقة بالغة مما دفع إحدى زوجاته إلى سؤاله
عنها فقال : ( إنها تأتينا زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان) صححه
الألباني السلسلة الصحيحة ج1/216

 لما أسر المسلمون المشركون في
غزوة ( بدر الكبرى ) سيق الأسرى إلى رسول الله  ينتظرون حكمه منهم فقال : (
لا يفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق ) فسارع أهل مكة إلى إرسال أنفس
أموالهم وأكثرها قيمة وكان من بين الأسرى ( أبو العاص بن الربيع ) زوج بنت
رسول الله  ولم تجد ( زينب ) – رضي الله عنها – ما ترسله في فداء زوجها
إلا عقد قديم تحتفظ به منذ زمن ورثته عن أمها، وقد كانت تعلم حب أبيها 
ووفاءه لأمها ( خديجة ) وما أن رأى رسول الله  العقد حتى دمعت عيناه وهو
يتذكر الأيام الخوالي والذكرى الجميلة وقد بلغ به التأثر مبلغًا كبيرًا
فقال : ( إن شئتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا لها عقدها ففعلوا ) .

إن
حفظ الود للعشير، والشوق لأيامه الخوالي، والأنس بطيب ذكراه، ووصل أهل وده
وإمضاء حقوقه، والإغضاء عن تقصيره، ينم عن أصالة شيم ونبل خلق وكرم طبع
وروح وفاء.. ولا ينبغي أن نغض الطرف عمن أوصد قلبه دون الصاحب، وعده صفحة
طويت من الماضي، يعرض بصفحة قلبه عمن يوقظ ذكراه ويعبس واجمًا حينما يزوره
طيفه، اختزلت ذكراه القبيح من الأوصاف وضاقت عن حفظ الحسن من المواقف
وحينما يستبدله بآخر يندم على ما فرط من عمره وما سبق من زمانه مع عشير
كنود بعد أن أبدله الله بزوج جُمع له محاسن الوجود !!

فهذا صنف من الناس قد أُبتلى بقسوة القلب وقوة البأس، ولؤم الطبع وفساد المزاج، وما أثقل الوفاء في حس الأشقياء .

وهناك
صنف على طرف نقيض من الأول .. فهو قد غاب عن واقعه، وحجب عينيه عن ضوء
نهاره، بعد أن عانق بكلتي ذراعيه أشباح الماضي وضم بكفيه أنفاس الأحبة، ممن
قدر لهم أن يسبقوه إلى الزمن الغائب، لكنه آثر أن يلحق بهم روحه، تصحب
أرواحهم، وتعيش ذكراهم، تلفلف بالسواد وآثر الظلام واستطال بعدهم الأيام !!

فهذا فريق ابتلى بغلبة العاطفة وضعف القلب ووهن الرضا بالقضاء ونسيان الهدف من الحياة .. وكلا الفريقين قد ضل وما هدى ..

فطالما
أن القلب لا زال ينبض، والعروق تجري فيها الدماء، والأجساد تتقلب ذات
اليمين وذات الشمال، فالأمل لا يزال مشرقًا يتسلل عبر كهوف النفس المظلمة،
يبعث فينا دفء الروح، ويوقظ فينا فتية الهمم، ويبني في ذواتنا ناطحات
القمم.

سؤال يطرح كثيرًا ..

هل من الوفاء عدم الزواج بعد وفاة أحد الزوجين ؟؟..

هناك
مفهوم شائع بين الناس بأن الزوجة إذا توفيت ولم يتزوج زوجها بعدها فإن هذا
من الوفاء، وكذلك الأمر بالنسبة للزوجة بأن لا تتزوج بعد زوجها وفاءً له
.. وهذه مفاهيم غير صحيحة، وليس لها أصل في الدين والشرع، بل إن الدين يقر
عكس ذلك، وهدي الحبيب محمد  والصحابة والصالحين يبين لنا أنه ليس من
الوفاء عدم الزواج بعد وفاة الزوج، فقد تزوج الحبيب  من خديجة – رضي الله
عنها – وكانت من قبله متزوجة من اثنين وتزوج من غيرها كذلك أم سلمة وأخريات
وكن متزوجات من قبله، وزج ابنته الثانية ( أم كلثوم ) لعثمان  بعد وفاة
ابنته الأولى ( رقية ) – رضي الله عنها - ..

وتزوج الحبيب محمد 
بسودة وعائشة – رضي الله عنهما -، ولم يفت على وفاة خديجة شهر واحد، وتزوج
علي بن أبي طالب  بعد وفاة فاطمة – رضي الله عنها – بسبع ليال، وتزوج
الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – بعد وفاة زوجته (أم عبد الله ) بيوم،
وسعيد بن المسيب زوج ابنته لتلميذه عبد الله في ثاني يوم من وفاة زوجته،
وغيرهم كثير ..

فالزواج بعد وفاة أحد الزوجين ليس له علاقة بالوفاء،
وأما لو أحب الزوج أو الزوجة أن لا يتزوجا بعد وفاة الطرف الآخر، فهذا قرار
خاص بهما، ولكنه غير ملزم للآخرين([4]) ..

 

 

الوفاء لمرضعته وحاضنته

إن
الابن البار، الواصل، حسن العهد، هو من يتفقد كل من مد يده إليه بنفع
وإحسان في حال ضعفه وصغره، فيقابل هذه الأكف بالتقبيل إجلالاً وتواضعًا،
وبالخدمة إكرامًا وتحنانًا، وبالعطايا والهدايا إحسانًا وعرفانًا .


أخرج مسلم – رحمه الله – عن أنس  قال : ( انطلق رسول الله  إلى أم أيمن –
رضي الله عنها – فانطلقت معه، فناولته إناء فيه شراب قال : فلا أدري
أصادفته صائمًا أم لم يرده، فجعلت تصخب عليه، وتذكر عليه ) مسلم ( 2453 ).


حدث أبو الطفيل قال : ( رأيت رسول الله  وأنا غلام، إذا أقبلت امرأة حتى
دنت منه فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت من هذه ؟ قالوا : أمه التي أرضعته
) .

 كان  يبعث إلى ثويبة مولاة أبي لهب مرضعته بصلة وكسوة، فلما
ماتت سأل من بقي من قرابتها ؟ فقيل : لا أحد ولو قيل بقي فلانة أو فلانة
لوصلهما .

 وقد جاء في رواية لمسلم، عن أبي هريرة  قال : زار النبي
 قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال : ( استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم
يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور

قبرها فأذن لي ) رواه مسلم برقم ( 976 ) .

تأملات :

ولكن
ما أكثر من يقابل هذه اليد الحانية بالعض حالما تبدو له أنياباٌ ويكافئ
ذلك الحضن الدافئ بالهجر والصد، ما أن يطر شاربه، ويهجر من علمه نظم الكلام
حينما يجيد سرد الحديث..

فيا عجبًا لمن ربيت طفلاً
أعلمه الرماية كل يوم
وكم علمته نظم القوافي

 
 ألقمه بأطراف البنان
فلما اشتد ساعده رماني
فلما قال قافية هجاني

 

فإذا
كان من المسلم به أن الطبيعة البشرية جبلت على حب من يُحسن إليها غالبًا،
وذلك من منطلق شدة حبها لنفسها، إلا أنه مما يُعاب عليها أنه إذا ضعف
العطاء المعتاد أو انقطع، ضعف في المقابل الحب في النفس أو انقطع متناسيًا
لغلظته العهد الماضي من البذل الممتد ..

وإن كان حب ( الأنا ) قاسمًا
مشتركًا بين بني آدم، فلا يعني ذلك أن يكون وحده هو المحرك للسلوكيات
البشرية والمركز الذي ندور في فلكه وإلا نجم عن ذلك تجرد المرء من الفضائل
الإنسانية وتعريه عن المبادئ البشرية، وعلى رأسها الوفاء والبر وحسن العهد
..

إن ( الأناني ) فضلاً عن تجرده من القيم الإنسانية السابقة فهو شخص يتسم بقسوة القلب وغلظة الحس وثقلة الروح ...

 

الوفاء للصاحب الصديق

إن
الثناء على الصديق في حضرته وغيابه، وتعداد مناقبه، وتذكر فضائله وشكره
على معروفه، من حقوق الأخوة الخاصة، ومن أمارات صدق الولاء وحسن المعشر،
كما أنه مما يقوي روابط الأخوة ويوثق أواصر الصحبة، التصريح باصطفائه للخلة
والتعبير عن مشاعر المودة نحوه .

 ( إنَّ من أمنَّ الناس علي في
صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلاً
ولكن أخوة الإسلام ومودته ) متفق عليه .

 جاء في صحيح البخاري من
حديث عمرو بن العاص  أن النبي  بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: (
أي الناس أحب إليك؟ قال: ( عائشة )، قلت من الرجال؟ قال : (أبوها)، قلت :
ثم من ؟ قال : ( عمر بن الخطاب )، فعدد رجالاً ) .

إن أرقى درجات
الخلة، حينما يمتزج الروحان، ويتعانق القلبان، وتتصل المشاعر، فكأنهما غدا
شخصًا واحدًا، لا يحتاج أن يستفهمه أو يعتذر منه أو ينفي عن نفسه الشبهات
والظنون عند وقوع ما يتوهم أنه خطأ .

 عن أبي الدرداء رضي الله عنه
قال((كنت جالساً عند النبي  ،إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه حتى أبدى عن
ركبته،فقال النبي :أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال:يارسول الله،إتي كان
بيني وبين ابن الخطاب شيء،فأسرعت إليه ثم ندمت،فسألته أن يغفر لي فأبى
علي،فأقبلت إليك،فقال:يغفر الله لك يا أبا بكر(ثلاثاً).ثم إن عمر ندم،فأتى
منزل أبى بكر فسأل:أثم أبو بكر؟فقالوا:لا.فأتى إلى النبي ،فجعل وجه النبي 
يتمعر،حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال:يارسول الله،والله أنا كنت
أظلم(مرتين).فقال النبي :إن الله بعثني إليكم،فقلتم:كذب،وقال أبو
بكر:صدق،وواساني بنفسه وماله،فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟(مرتين).فم أوذي
بعدها))

الفتح 3661..

 

تأملات :

يمكن أن تقول أنه ما أوتي على العلاقات الحميمة من الضعف والوهن إلا من ثلاث طرق :

1-   عدم التصريح بالمشاعر الإيجابية كالحب والارتياح والامتنان والثناء .. الخ .

2-   نكران المعروف وجحود الإحسان .

3-   إساءة الظن بالصاحب .

فعدم
الإفصاح عن الأحاسيس الجميلة والعواطف الرقيقة تجاه الآخرين مردها إلى
أسباب عدة على رأسها طبيعة النشأة وموقف البيئة فيتربى المرء على دس
أحاسيسه وكتمان مشاعره لأن البوح بها نوعٌ من الضعف أو قل ضربٌ من الحماقة
..

( أي الناس أحب إليك ؟ ) ففي بعض الأوساط لو طرح السؤال السابق
على أحدهم لعُد السائل والمسئول من أهل السذاجة والفراغ ثم تأمل معي – أخي
القارئ – جوابه  للسائل ( قال : عائشة ) فهو جواب يشيع بالوضوح وينبض
بالصدق، فلم يكن للعيب معيارًا أو للعادات وزنًا إن كان ذلك يفضي إلى
التطفيف .

ثم جاء الجواب التالي : ( أبوها ) ليقرر حقيقة قلبية وإن ذاع خبرها في الآفاق وشاعت عبر الأركان ..

ونكران المعروف وجحود الإحسان .. من أقسى معاول هدم بنيان الصحبة، وقد أشرت إليه في الصفحات السابقة .

(
أما إساءة الظن بالصاحب، فقد يتوهم البعض أن ذلك من حسن الفطن، وإن كان
استعماله مستحسنًا في المواقف التي تدعو لذلك ولا سيما إذا وجد من القرائن
والأدلة ما يجعل إساءة الظن من الحزم والحكمة، إلا أن كثير من الناس يبالغ
في استعمال سوء الظن في غير موضعه فيؤثر ذلك على تفكيرهم واستنتاجاتهم ولا
سيما أولئك الذين يتصفون بصفات الشك والريبة ويرون أن ذلك من الحزم دائمًا
فيحملون الكلام على أسوأ ما يمكن حمله عليه ويبالغون في تخون الناس
واتهامهم ويتكلفون الأدلة على ذلك )([5]) .

الوفاء للصاحب الغائب
أ- بالذب عنه
عن
عتبان بن مالك  وهو ممن شهد بدرًا، قال : كنت أصلي لقومي بني سالم، وكان
يحول بيني وبينهم وادٍ إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه قِبَلَ مسجدهم،
فجئت رسول الله  فقلت له : إني أنكرت بصري وإن الوادي الذي بيني وبين قومي
يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي اجتيازه فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي
مكانًا أتخذه مصلى، فقال رسول الله  :(سأفعل). فغذا علي رسول الله  وأبو
بكر  وعندما اشتد النهار فاستأذن رسول الله  فأذنت له، فلم يجلس حتى قال :
أين تحب أن أصلي من بيتك ؟ فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه،
فقال رسول الله  فكبر، وصففنا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم، وسلمنا حين
سلم، فحبسته على خريز يصنع له، فسمع أهل الدار رسول الله  في بيتي فثاب
رجالٌ منهم حتى كثر الرجال في البيت، فقال رجلٌ منهم : ما فعل مالك ؟ لا
أراه . فقال رجلٌ منهم : ذاك منافق لا يحب الله ورسوله . فقال رسول الله  :
(لا تقل ذاك، ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ؟). فقال:
الله ورسوله أعلم، أما نحن فوالله ما نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين
. قال رسول الله :

(فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) البخاري / الفتح 1185.

ففي
مجلسه الشريف  يذب عن صحابي غائب، وينهى عن ذمه، ويمتدحه شاهدًا له
بالإخلاص في التوحيد غير ملتفت للقرينة التي سيقت ضده من مجالسته لمعشر
المنافقين وموادته لهم.

والناظر في واقع الأخلاء يجد أن ممارسة خلق (
الوفاء للصاحب الغائب ) بحاجة إلى إعادة تقويم، إذ أن العمل به متروك –
أحيانًا – لعوائق كضعف في شخصية الشاهد وحضوره، أو لضعف ثقته في الصاحب
الغائب أو لبواعث خفية من موافقة هوى النفس كالرغبة في التشفي والانتقام،
هذا فضلاً عن ضعفٍ في الإيمان بيوم الحساب وما فيه من قصاص عادل وحكم نافذ،
وأيًا كانت الأسباب أو المبررات فإن هذا لا يخرج الصاحب الشاهد عن دائرة
الاتهام، لضعف الوفاء في ضميره تجاه الصاحب الغائب، وكما قيل : الغائب
دائمًا على خطأ .

 

إذا المرء لم ينصف أخاه ولم يكن
 له غائبًا يومًا كما هو شاهد
 
فلا خير فيه فالتمس غيره أخًا
 كريمًا على فضل الكريم يعاهد
 
وإن غبت يومًا أو حضرت فوجهه
 على كل حال أينما كنت شاهد

 

ب- بتذكره والدعاء له
عن
أبي هريرة  : " أن أسود – رجلاً أو امرأة – كان يقم المسجد، فمات، ولم
يعلم النبي  بموته، فذكره ذات يوم فقال : ما فعل ذلك الإنسان ؟ قالوا :
مات يا رسول الله، قال : أفلا أذنتموني ؟ فقالوا : إنه كذا وكذا – قصته –
قال: فحقروا شأنه . قال : (فدلوني على قبره) . فأتى قبره فصلى عليه"
البخاري ( 1337 ) .

إن فقد نسمة مؤمنه، وقبض روح مسلمه في حس رسول الإنسانية  يُعد خطبًا عظيمًا ..

كيف لو زادت على ذلك بأنها كانت (فعّالة ومنتجة ومؤثرة)

ولكن ماذا عن الصورة التي سكنتها تلك الروح .. أحسنة، أم دميمة ؟

وماذا عن لون القالب الذي استقرت فيه تلك النسمة إلى أجل، أأبيض أم أسود ؟

ثم
ماذا عن ميزان مختلف للتصنيف البشري نصبته جاهلية عمياء إنها الوجاهة
الاجتماعية والمناصب القيادية عند طائفة أو المفاخرة بالأعراق والتفاضل
بالأنساب عند أناس .

الصحابي أو ( الصحابية ) الذي افتقده رسول الله 
وسأل عنه وعاتب في شأنه ثم سار قاصدًا قبره وصلى عليه ودعا له غير عابئ
بالمعايير السابقة والتي لم ينطبق عليه  شيئًا منها، فهو صحابي مغمور ولا
أدل على ذلك من اختلاف الروايات في تحديد جنسه، ولم يُحفظ حتى اسمه، ولم يك
ذا نسب شريف .

وكان يؤدي مهمة بسيطة كما قد يراها البعض، وحينما مات
أو ( ماتت ) لم ينع أي لم ينقل خبر موته لرسول الله  وما أكثر الأتقياء
الأخفياء ممن حالهم مشابه لحال الصحابي هذا  فلا يُحمد حيًا ولا يُرثى
ميتاً، يجمع له بين موتتين، ثرى يغيب بدنه وتجاهل يغيب ذكره .. عزاؤنا في
ذلك أننا صائرون إلى الله الحكيم الخبير، يوم تنصب الموازين الحق، المحملة
بالأعمال لا بالصور والأشكال، وتتطاير الصحف قد دوّن فيها ما اكتسبنا لا
إلى من انتسبنا ..  يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملكُ
اليوم لله الواحد القهار  اليوم تجزى كلُّ نفس بما كسبت لا ظُلم اليوم
إنَّ الله سريع الحساب 
[ سورة غافر، 16-17 ] .

 

إذا قيل في الدنيا خليل فقل نعم
 خليل اسم شخص لا خليل وفاء
 
وإذا قيل في الدنيا جواد فقل نعم
 جواد ركوب لا جواد عطاء

 

 

الوفاء لصاحب المعروف ( المسلم )


كانت صلة النبي  بالنجاشي قائمة رغم البعد .. فقد امتدحه وأثنى عليه
خيرًا وأشار على صحابته بالهجرة إلى أرضه العادلة فرارًا من بطش أهل مكة
الجبابرة .. ثم إنه لما مات (نعاه  في اليوم الذي مات فيه وخرج إلى المصلى
فصف بهم وكبَّر أربعًا ) 1245صحيح البخاري / الفتح . وفاءًا لفضله
واعترافًا بجميله، أوليس النجاشي هو من أحسن وفادة الصحابة ؟ وأعلن للعامة
ألا يتعرض أحد منهم لهؤلاء الغرباء ثم لما ودعهم  أحسن توديعهم وزودهم
بالمؤن .. ولم يتناس – حاشاه – رسول الله  فضله حينما بلغ من تودده لرسول
الله  أن دفع صداق زوجته حبيبة بنت أبي سفيان – رضي الله  عنها - ..

تأملات :

أفعاله
قد يراها البعض بسيطة بالنسبة لجلالة سلطانه وسعة ملكه ووفرة ماله ..
وبالنسبة للفضل العظيم الذي قدمه له صحابة رسول الله  ووفده إليه وهو عرض
الإسلام عليه ودخوله فيه فبهذا يكون قد أنقذوه من براثن الكفر وأوحال الشرك
لنور التوحيد وحلاوة الإيمان بل ونعيم الدنيا والآخرة، ولكنه خلق الوفاء
إذا تمكن من الكريم يجعله يعرف لأهل الفضل أقدارهم ولا يستصغر فضائل القوم
ولا يتنكر للأيادي المعطاءة فيجزل الإحسان ويضاعف المكافأة .

ومن
الوفاء لأهل المعروف [ التجاوز عن أخطائهم الصغيرة عند مقارنتها بمزاياهم
وخدماتهم كما فعل النبي  مع حاطب بن أبي بلتعة عندما أراد عمر ضرب عنقه
فقال  : { إنه شهد بدرًا – وما يدريك يا عمر ! لعل الله اطلع على أهل بدر،
فقال : اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم } ]([6]) .

لقد جُبل البشر على
الضعف، وأينا تحمد كل شمائله، فإذا كان صاحب الزلة من ذوي الهيئات وكان
الستر عليه ونصحه سرًا مما يعجل بأوبته للحق لم التشهير والتعيير ؟ [ إن
إقالة العثرة ليست إقرارًا للباطل ولكنها إنقاذٌ للواقع فيه]([7]).

 

الوفاء لصاحب المعروف ولو كان كافر

إذا
كان الدين من أهم محاور التعامل مع الناس إلا أن المفارقة في الدين لا تجز
الظلم وبخس الحقوق والإخلال بواجب العدل، لاسيما إذا كان المخالف وافدآ
لبلدنا يقيم بين أظهرنا، فلا يصلح أن نبيح لأنفسنا من أنواع المظالم نحوه،
قد نعتذر  ب ليس علينا في الأميين سبيل، فلا نحفظ له عهدًا ولا نذكر له
فضلاً فيعود إلى دياره وهو أكثر حقدًا ونقمة على الإسلام وأهله .

فلنغمض
جفوننا بعد أن تسترخي أبداننا ولتنعم قلوبنا بالسلام بعيدًا عن مشاكلنا مع
الآخر والتي قد نكون نحن أحد أسبابها.. ولنسرح في موقف عظيم من مواقف
الوفاء للمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه :

 فقد جاء عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه :(أن النبي

صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر :(لوكان المطعم بن عدي حيآ ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له )البخاري 4024

إذ لا يمكن لسيد الأوفياء أن ينسى أو يتناسى من أدخله في جواره بعد عودته من الطائف وأشد من قام بنقض الصحيفة

والوقوف في وجه كاتبيها.

 

 

 

 

 

 

 

الوفاء لأصحاب الحقوق

دعونا نصحبكم في رحلة نبوية كريمة إلى مكة بعد فتحها واكتمال شارة النصر والتمكين لرسول الله  ودينه المتين ..


لما فتحت لرسول الله  مكة جاء البيت وطاف به سبعًا يستلم الركن في يده
فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة  فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له فدخلها
.. ثم جلس رسول الله  في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه
ومفتاح الكعبة في يده فقال : يا رسول الله اجمع لنا الحجلة مع السقاية صلى
الله عليك فقال رسول الله  أين عثمان بن طلحة ؟ فدعي له :( هذا مفتاحك يا
عثمان فاليوم يوم بر ووفاء ).

تأملات :

 من المثير للاستنكار
ما درج عليه بعض كبار المسئولين فبمجرد توليهم مناصبهم القيادية حتى يبدأ
بتغيير شامل وتبديل كلي لكل من هم تحت يده وهذا التغيير لا يستثني حتى
الأكفاء وذوي الخبرات العالية . إن هذا الوضع المتكرر والعام لا يسبب
إحباطاً وحزنًا للأفراد فحسب بقدر ما يعد خسارة  للمجتمع بفقده أصحاب
الكفاءات والخبرات العالية فضلاً عن التخبط والفوضوية التي تعم الأجهزة
التي حدث فيها التغيير .. ويتضاعف حجم المأساة حينما تقدم هذه الكراسي
الفارغة مكافآت وهدايا لذي قرابة أو صداقة دراسية قديمة !!

وأمام هذا
الموج الهادر والمد الثائر من التغيير في المناصب والكراسي تحت شعار (
الدماء الشابة ) وبهدف ( التطوير والتحديث ) تضطر كثير من الكفاءات
المخضرمة والسواعد المخلصة والعقول المفكرة إلى إيثار الانسحاب من الساحة
والتواري عن الأنظار تلملم ما تبقى من كرامة مع تجرع غصات الحجود والنكران
لعقود من الإنتاج والكفاح هي في الحقيقة أجمل سنوات شبابهم وأبهاها
.وقديمًا قال الشافعي([8]) :

الحر من راعى وداد لحظة، أو انتمى لمن أفاده لفظه .

الوفاء بالدين

( الفريضة الغائبة ) ..

(
عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : ابتاع رسول الله  من رجل من الأعراب
جزورًا بوسق من تمر الذُّخْرة – وتمر الذُّخْرَة العجوة – فرجع به رسول
الله  إلى بيته والتمس له التمر فلم يجده فخرج إليه رسول الله  فقال له :
( يا عبد الله! إنا قد ابتعنا منك جزورًا أو جزائر بوسق من تمر الذُّخرة
فالتمسناه فلم نجده )، قال : فقال الأعرابي : واغدراه، قالت: فنهمه الناس
وقالوا : قاتلك الله، أيغدرُ رسول الله ؟ قالت: فقال رسول الله  : (
دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً ) ثم عاد له رسول الله  فقال : ( يا عبد الله
إنا ابتعنا منك جزائرك ونحن نظن أن عندنا ما سميناه لك، فالتمسناه فلم
نجده )، فقال الأعرابي : واغدراه، فنهمه الناس، وقالوا: قاتلك الله، أيغدر
رسول الله  ؟ فقال رسول الله  :
( دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً )
فردد ذلك رسول الله  مرتين أو ثلاثًا، فلما رآه لا يفقه عنه قال لرجل من
أصحابه : ( اذهب إلى خويلة بنت حكيم بن أمية فقل لها : رسول الله  يقول لك
: إن كان عندك وسق من تمر فأسلفيناه حتى نؤديه إليك إن شاء الله ) فذهب
إليها الرجل فقال : قالت : نعم، هو عندي يا رسول الله، فابعث من يقبضه،
فقال رسول الله  للرجل : ( اذهب به فأوفه الذي له ) قال : فذهب به فأوفاه
الذي له . قالت : فمر الأعرابي برسول الله  وهو جالس في أصحابه فقال :
جزاك الله خيرًا، فقد أوفيت وأطيبت . قالت : فقال رسول الله  : ( أولئك
خيار عباد الله الموفون المُطَيِّبُون )([9]) .

فتأمل – يا رعاك الله – في موقفه  من الأعرابي والذي يتمثل في الآتي ..

1-   اعتذاره منه لعدم قدرته على إيفائه لعدم وجود التمر .

2-   قال  : ( ونحن نظن أن عندنا ما سميناه لك ) توضيحه

3-    أنه حينما ابتاعه كان يظن أن عنده من التمر ما يدفعه للأعرابي، حتى لا يتوهم الأعرابي بتبييت الغدر .

4- 
تكراره  الاعتذار، على الرغم من أنه لم يقابل بالقبول والعفو من الأعرابي
الذي – كما يبدو – قد ثار سريعًا، وطغى الغضب على عقله فلم يعد يعي ما
يكرره عليه الرسول  ولا يفقه شيئًا مما يقول .

5-   منعه  صحابته من انتهاره ونهيهم عن ذلك معتذرًا، بأنه صاحب حق .

6- 
إعطاؤه صلوات ربي وسلامه عليه الأعرابي الفرصة تلو الفرصة وهو يكرر تهمة
السوء ( واغدراه ) معتذرًا عنه بأنه صاحب حق ليخرج ما يعتلج داخل قلبه من
شبهات وظنون .

7-  مسارعته صلوات ربي وسلامه عليه بإيفائه دينه، ولو كلفه ذلك استلافه من طرف ثالث، لما لم يجد عنده صبرًا على دينه .

8-   الثناء على من سارع بإعادة الأموال إلى أصحابها، وفاء بالحقوق وإبراء للذمم .

تأملات ..

إذا
كان الأصل هو التخوف والتردد من الاستدانه، لعلم الإنسان من نفسه، عجزه عن
السداد لفقر حاله أو ضعف نفسه أو لعدم قوة الدافع للاستدانة، إلا أن هذا
الأصل بات مفقودًا، وأصبح كثير من الناس يسارعون بالاستدانة مع تيقنهم من
عدم قدرتهم على الوفاء ولو على المدى البعيد، مستغلاً سماحة المقرض وطيبة
قلبه أو وفرة ماله، وهناك من يستدين مع ضعف الباعث، وإنما هو التنافس على
الدنيا، واتباع الهوى،كمن يستدين للسفر بغرض السياحة، أو لشراء كماليات
الزينة لبيته أو ...  الخ .

وإذا كان من المفترض بعد إقراضه المال،
أن يجد المقرض من المقترض شكرًا وتلطفًا، وإن طالت المدة وعجز من الوفاء
فلا أقل من أن يعجز عن ملاحقة المقرض بالتأسف والاعتذار .

إلا أن هذا
الحال أضحى من المثاليات النادرة في حياتنا الاجتماعية، والوصف السابق بدا
بالمقلوب بمعنى أن المقرض هو الذي يلاحق المقترض باللين واللطف تارة
وبالشدة والحزم تارة أخرى فلا يجد منه إلا صدودًا وإعراضًا !!

نُذكِّر
هذا الصنف من الناس بحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة  عن النبي  قال : (
من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها
أتلفه الله ) .