Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
وددت أنا قد رأينا إخواننا  قالوا : وألسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال " أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) رواه  مسلم 

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m031.jpg

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يُضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فيا أيها الإخوة المؤمنون، استشعِروا نِعَم الله عليكم، تلك النِّعم التي لم تزَل تَتْرى من رب كريم، وأعظمُها أنْ هدانا للإسلام، وجعلَنا من أمة القرآن، وجعلَنا في أمة محمد خير الأنام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، أبدًا دائمًا إلى يوم الدين.

أيها الإخوة المؤمنون، لقد نبهَنا ربنا جل وعلا إلى عظيم هذه النعمة، التي هدانا إليها، وشرَّفَنا بأن نسبَنا وجعلَنا من أتباع خير رسله محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما في قوله جل وعلا: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، فلولا أنَّ الله بعَث إلينا هذا النبيَّ العظيم لاستمر هذا الضلالُ المبين الذي وصلَت إليه البشرية عند بَعثته صلى الله عليه وسلم.

ولذا تأمَّلوا أن الله يقول: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 164]؛ فمَنُّ الله هو إنعامه وتفضُّله جل وعلا ببَعثة هذا النبي الكريم الذي أخرَج الناسَ من الظلمات إلى النور.

كما أن الله جل وعلا ثنَّى بهذا الامتنان في مواضعَ أخرى من كتابه الكريم؛ كما جاء في خاتمة سورة التوبة؛ إذ قال عزَّ مِن قائل: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، فتضمَّنَت هذه الآية العظيمة امتنانَ الله جل وعلا على البشرية جمعاء؛ بل على المكلفين جميعًا من الإنس والجن، بل على الخلائق جميعًا - ببعثة هذا النبي العظيم، فامتن الله على المؤمنين ابتداءً؛ لأنهم الذين استفادوا، وتهيَّؤوا لنَيل هذه النعمة، وحصولهم على بركاتها في الدنيا والآخرة؛ بأن بعَث إليهم هذا النبيَّ العظيم محمدَ بنَ عبدالله بنِ عبدالمطلب.

وقد ذكَر الله جل وعلا في هذه الآية ستةً من الأوصاف العظيمة التي توجب على كل مكلَّف من الإنس والجن أن يستشعرها، وأن تُثمر لدَيه اتباعًا لهذا النبي الكريم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ صدَّر الله هذه الآية بالتأكيدات.

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ مَن هم؟

جمهور العلماء يقولون: المخاطَب بهذا هم العرَب، ومِن أهل العلم - كما نحا إلى ذلك العلامة الزجَّاج رحمه الله - مَن يقول بأن المخاطَب بهذا هو العالَم جميعًا من الإنس والجن، وهذا هو المتَّسِق مع عموم بَعثتِه صلى الله عليه وآله وسلم؛ كما قال جل وعلا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾ [سبأ: 28].

ولا شك أن العرب الذين بُعث في ضمنهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدخلون في ذلك دخولًا أوَّليًّا.

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ﴾ [التوبة: 128]، وهذا هو الوصف الأول؛ ستة أوصاف في هذه الآية العظيمة تعظِّم هذا النبيَّ الكريم:

فالأول: وصفُه بالرسالة، وهذه أعلى منازل التشريف بين المكلَّفين؛ كما يدل عليه قولُ الله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ [النساء: 69]، فبدأ بأولهم، وهم النبيون، فالله جل وعلا جعل محمدًا صلى الله عليه وسلم معظَّمًا مشرَّفًا بهذا الوصف وهو الرسالة.

ثم إنه عليه الصلاة والسلام فُضِّل على جميع الأنبياء والرسل بما جعَل الله له من هذه الخصوصية؛ ولذا كان الأنبياء والرسل - بَدءًا من أبينا آدم عليه السلام، إلى مَن بعده مِن أبنائه من الرسل - يَعرفون هذا النبيَّ الكريم؛ يَعرفون محمدَ بن عبدالله؛ بما أخَذ الله عليهم من الميثاق بأن يتَّبِعوه ويُؤمنوا به متى بُعث؛ ولذلك سُئل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مرة: منذ متى كُتِبتَ نبيًّا؟ قال: ((وآدمُ مجندَلٌ في طينته))؛ رواه الإمام أحمد؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى كتَبه نبيًّا رسولًا وأبونا آدمُ لم يزَل بعدُ دون الخلق، وهو على حالة الطين من التراب الذي منه خُلق، ومنه أصلُ ذريته عليه الصلاة والسلام.

وأخَذ الله جل شأنه العهد والميثاق على الأنبياء والرسل؛ ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 81].

فالله جل وعلا أخذ العهد والميثاق على الأنبياء والرسل أنه متى بُعث محمد فالواجب عليهم أن يتَّبعوه، ويدَعوا ما هم عليه من شرائع؛ ولذا في آخر الزمان إذا نزل سيدنا عيسى ابنُ مريم عليه الصلاة والسلام فإنه لا يَحكم إلا بالشريعة المحمدية، وليس بالشريعة اليسوعية.

ولذا أيضًا فإنه عليه السلام؛ عيسى عليه السلام - لتعظيمه وإجلاله لأخيه محمد - إذا قُدِّم للصلاة ليصلي بالمسلمين، يقول: ما كنتُ لأصلِّي بأمة نبيُّها محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولما رأى نبيُّنا عليه الصلاة والسلام يومًا مع بعض الصحابة صُحفًا من التوراة يقرَؤون في بعضها، قال لهم عليه الصلاة والسلام: ((أمتهوِّكون أنتم - يعني: أمُتردِّدون مُتشكِّكون - ولله لو بُعث موسى ثم اتبعتموه - يعني وتركتم شريعته - لضللتم))، وهذا بما أوحى الله إليه وإلى الأنبياء جميعًا أن تكون الشريعة الحاكمة هي هذه الشريعةَ المحمدية الإسلامية التي جعَلها الله تعالى خاتمة الشرائع.

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ وصَفه الله جل وعلا بأن قال: ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]، والمعنى في هذا أنه من جِنس بني آدم، ليس مِن خلقٍ آخر، فيَصعُب عليهم أن يتَخاطبوا معه؛ ولذا قال الله تعالى في الآية الأخرى في سورة الأنعام: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا ﴾ [الأنعام: 9]؛ يعني: أن الله جل وعلا بحكمته إنما جعل الرسل من البشر؛ جعَلهم من أنفسهم حتى يستطيعوا أن يتواصلوا معهم، ولذا لما كان المشركون يقولون: أفلا يكون هذا الرسول مَلَكًا؟ قال الله لهم: لو جعلناه ملَكًا لجعَلنا صورته صورةَ رجل؛ حتى يتَخاطب معكم، ولا يكونَ مفترقًا عن جنسكم.

﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ يعني: منكم ومن جنسكم؛ آدميٌّ، وليس من خلق آخر، وهو أيضًا ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ يعني: تَعلمون حقيقته ومبدَأ أمره، وهو أنه عاش بينكم، فعَرَفتم تربية الله له على عظيم الصفات وكريم الخصال؛ ولذا لم يزَل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم معروفًا بين قومه بالصفات العظيمة؛ الصدق والأمانة، والصِّيانة والعفاف، فلم يكن معروفًا بينهم إلا بالصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم؛ شهد له بذلك البُعداء والقرباء، وشَهد له بذلك الأعداء والأصدقاء، ولذا قال أبو سفيان بن حرب لما سأله هِرَقلُ قبل أن يُسلم: ما كان من شأنه؟ وما كان من أمره؟ وما كان من أخلاقه؟ فبيَّن أنه يأمر بالصدق والصلاة، والصلة والعفاف.

وأيضًا في هذا الوصف: ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ كما يقول العلامة ابن عطيَّة الأندلسي رحمه الله: إنَّ في هذا مدحًا للنَّسَب النبوي، وهو أنه عليه الصلاة والسلام وُلِد في كامل نسَبِه من نكاح صحيح، لم يَدخله سِفاح، فلم يزَل يتقلَّب صلى الله عليه وآله وسلم من الأصلاب وفي الأرحام من نكاح صحيح، لم يدخله من دنَس ولا رِجس ولا زِنى الجاهلية ولا الأوائلِ شيء.

وهذا يدل عليه ما ثبَت في صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله اصطفى كِنانةَ مِن ولَد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كِنانة، واصطفى بَني هاشمٍ من قريش، واصطفاني من بني هاشم)).

ويدلُّ عليه أيضًا قولُه صلى الله عليه وآله وسلم: ((إني وُلِدت من نكاح لا من سفاح))، ولذا كان أبَواه كلٌّ من السيدة العظيمة آمنة بنت وهب، وهي مَن هي في شرفها وكرمها في قومها، وأبوه عبدالله بن عبدالمطلب وهو مَن هو في كريم أخلاقه في بني قومه، وهكذا أجداده وآباؤه صلى الله عليه وآله وسلم على هذا النَّسق من الشرف والجلالة في أقوامهم؛ ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [التوبة: 128].

ثم إنه عليه الصلاة والسلام وُصِف في هذه الآية الكريمة: ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ فإنه بعدَ أن بعثه الله بهذه الشِّرعة العظيمة، جعله على شِرْعة سمحة سهلة، فيها كل الخير؛ ولذا يَعزُّ عليه الصلاة والسلام، يعز عليه أن يَلحق بالناس شيءٌ من الضرر، ولذا وصف نفسه عليه الصلاة والسلام في مثَلٍ بليغ بأنه يحرص على هداية الناس وعلى إيصال الخير إليهم، وأنَّ مثَله كمثل الفَراش التي تتهافت على النار في الظلام وهو يحوط الأمة ويُريد أن يدفعهم عن هَلكتِهم وعن ضلالهم وعما يُضِر بهم؛ ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ [التوبة: 128]؛ يعني: يَعظُم عليه كل ما يُعنِتكم، والعنَت هو المشقة. 

ولذا وُجِد في هذه الشريعة من السماحة والتسهيل ما لم يَكُن في الشرائع السابقة؛ ولذا وُصف عليه الصلاة والسلام كما في آية سورة الأعراف: ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [الأعراف: 157]؛ ولذا مهما أفتى أحدٌ - عن جهلٍ - بما يُدخل على الناس الضرر والمشقة فإنه يُفتي بخلاف هذه الشريعة العظيمة، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((إنما بُعثتُ بحنيفية سمحة))، فهذا هو وصف هذه الشريعة، وهو وصف نبيها، وينبغي أن يكون وصف علمائها. 

وليس معنى هذا التفريط والتفلُّت من دلائل الدين، ولكنَّما المعنى أن المشقة والعسر لا يُمكن أن تكون في هذه الشريعة العظيمة، والله جل وعلا يقول: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185].

إذًا هذا وصفه عليه الصلاة والسلام؛ ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ يعني: يعز عليه الشيء الذي يُعنِت أمته ويَشقُّ عليها، فهذه الشريعة شريعة سهلة سمحة كاملة، يسيرة على مَن يسَّرها الله عليه.

ثم الوصف الثالث، وهو قول ربنا جل وعلا: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ يعني: أنه يَبذل جهده في إيصال كل خيرٍ دنيويٍّ وأخروي إلى أمته جميعًا، إلى أمة الدعوة ممَّن استجاب له أو مَن أعرض عنه؛ فهو حريصٌ على الجميع صلى الله عليه وآله وسلم، كما وصفه ربنا جل وعلا في الآية الأخرى من سورة الأنبياء: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107].

فهذا وصفٌ عظيم لهذا النبي العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾ [التوبة: 128]؛ فكل خير دنيوي وأخروي بذَل جهده عليه الصلاة والسلام في توضيحه للأمة، فاحتاط لهم في شأن الهداية ومعرفة الدين، فلم يَرحل إلى ربه جل وعلا إلا وقد بلغ البلاغ المبين، ولم يدع شيئًا يوصلهم إلى جنة ربهم ورضوانه إلا بيَّنه لهم ورغَّبهم فيه، ولا شيئًا يؤدي بهم إلى غضب الله وإلى ناره إلا وبيَّنه لهم وحذرهم منه غاية التحذير، هكذا كان صلى الله عليه وآله وسلم، وأيضًا ما ترك من شيء مما يتعلق بمعايشهم وأمور دنياهم إلا بيَّنه، وحرَص على توضيحه في أصول عظيمة تضبط معايش الناس إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.

ثم وصف آخر له عليه الصلاة والسلام: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]؛ فهو عليه الصلاة والسلام متصف بهذا الوصف، وهو الرأفة والرحمة، وهما وصفان جليلان عظيمان معناهما في الجملة إبعاد كل ضرر عن هذا المرؤوف به، وإيصالُ كل خير إلى هذا المرحوم، فالرأفة وصفٌ ألطفُ وأدقُّ من الرحمة، وبينهما تداخلٌ، وعموم وخصوص.

لكن المؤدَّى في ذلك أنه عليه الصلاة والسلام مِن وصفه أن يُبعِد عن أمته كلَّ ما يَضرهم في معايشهم، وفي أمور دنياهم، ومن رحمته أيضًا أنه يوصل إليهم كلَّ خير مما يتعلق بأمور دينهم ودنياهم.

ولما كان أهل الإيمان هم أخص الناس بهذا الوصف؛ لقوله هنا: ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ [التوبة: 128] فذلك راجع إلى قَبولهم لهدايته واتباعهم لشريعته، ومع ذلك فإن غير المسلمين أيضًا داخلون في هذه الرحمة النبوية؛ لأن الله يقول: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، فهذا يشمل الخلائق جميعًا.

وبعد أيها الإخوة الكرام، فهذه المنَّة الربانية والنعمة الإلهية ببَعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما يُعظِّمها حقَّ تعظيمها، ويَقْدرها حقَّ قدرها مَن قام بشكرها، ومِن مقتضى شكرها أن يكون المرء متابعًا لهذا النبي الكريم جهدَه وطاقته؛ لأن الله يقول: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعني وإياكم بهدي النبي الكريم. 

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

• • •

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]؛ هذه منَّة ربِّ العالمين.

ومَن أعرض واستنكف فإنما يَضر نفسه ولا يَضر الله شيئًا، ولذا قال الله تعالى عقيبَ هذه الآية الكريمة: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [التوبة: 129].

فحريٌّ بالمؤمن أن يكون له من المعرفة والعلم والاتباع لهذا النبي الكريم ما يَخرُج به عن عِداد الجاهلين به؛ فإن أكثر الناس منذ عهد أبينا آدم إلى يومنا يَستنكفون عن الهدى؛ بما يتسلَّط به عليهم الشيطان ويُزين لهم في هذه الحياة؛ حتى يكونوا معه في نار الجحيم، بما قطَع على نفسه من الوعد والعهد في إضلال هذه الذرِّية، كما حكى الله عنه قوله: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17] وكما أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم عن هذا الوعد الشيطاني الذي أعلَنه في عدائه لذرية آدم، وهو قول ربنا جل وعلا: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سبأ: 20]!

فكن يا عبد الله، مِن هذا الفريق الناجي، الذي أبى دعوة الشيطان، واتبع منهج الرحمن، واتبع هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

إن المتعيِّن على كل واحد من أهل الإسلام أن يتعرف على هديِ نبيه محمد عليه الصلاة والسلام؛ يتعرف عليه تعرُّفَ اتباع وتعظيم وإجلال، وأن لا يكون مستنكِفًا ولا مُعرِضًا، ولا محكِّمًا لعقله بحسب معطيَات ما يستجد في هذه الحياة؛ لأن من الناس من يجعل من عقله ومن رأيه حاكمًا على الشرع، وهذا من أعظم الضلال الذي ندَّد الله بأهله، وعاب عليهم هذه الطريق؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 8، 9].

وكما قال الله تعالى في آية سابقةٍ لهذه في وصفه لمن يجادل في آيات الكتاب وفي هَدي نبيِّه محمد عليه الصلاة والسلام بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ [الحج: 9]، وهذا حال كثير من الناس الذين جعلوا من عقولهم وأهوائهم حاكمًا على نصوص القرآن والسنة، فلبَّسوا على أنفسهم، وأدخلوا عليها الشبهات، حتى صاروا ينقدون هذه النصوص العظيمة! فبادئ ذي بدء صار عندهم الرد لنصوص السنة المعظَّمة، وقالوا: ما الذي يُدرينا بثبوتها؟! وغير ذلك مما يعترضون به.

فتجدهم يقولون: إنما الحاكم بيننا وبين الناس هو القرآن، وسمَّوا أنفسهم "القرآنيُّون"، وهم كاذبون في ذلك؛ إذ ماذا يصنعون بالآيات القرآنية التي فيها الأمر بمتابعة نبيِّ الله محمد صلى الله عليه وسلم؟! ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وماذا يصنعون بقول الله جل وعلا: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]؟! وماذا يصنعون بقول الله جل وعلا: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31]؟! وماذا يصنعون بقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ [النور: 51]... إلى غير ذلكم من الآيات المعظِّمة لجناب السنة النبوية، وجناب نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

ولكنها حيلة شيطانية، وأهواء نفسية، أرادوا من خلالها الخروجَ عن دين الله جل وعلا بمِثل هذه الشبهات؛ فالمتعين على المؤمن أن يكون معظِّمًا لكتاب الله، ومعظمًا لسنَّة رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، فمتى ظهر له الدليل واتضَح، وجب عليه المتابعة والتعظيم والإجلال.

فهذا هو منهج المؤمن الحق؛ فاتباع نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ليس على سبيل الشعارات التي تردَّد دون تحقيقٍ في الواقع، ولا اتباعٍ بالبرهان، وإنما حقيقةُ حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم اتباعُه في سنته، واقتفاء أثره وطريقته، فمَن كان كذلك فهو على العهد والميثاق، وسيكون في ضيافة هذا النبي الكريم عند حوضه الذي مَنَّ الله تعالى به يومَ يَلقى ربَّه جل وعلا.

هذا هو الذي يتعين على المؤمن، وأن يكون متابعًا لهذه السنة، محاذرًا مما يخالفها مما يُبتدع في دين الله أو يردد من الأهواء والشبهات.

ألا وصلوا وسلموا على رسول الله محمد؛ فقد أمرنا ربنا بذلك، فقال عز من قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد، اللهم وارضَ عن خلفائه الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعنَّا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

وإنه مما يَجدر التنبيه عليه في هذا المقام قبل الختام: أنه في مثل هذه الأيامِ يظهر الاحتفالُ بمولد نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ولا ريب أن مولد رسول الله مولدٌ عظيم، وهو فاتحةٌ لهذا النعمة الربانية، ولذا لِعَظمة هذا المولد صاحَبه من الأحوال والتغيرات الكونية ما جاء في بعض الآثار؛ فعند مولده عليه الصلاة والسلام - كما ثبَت بذلك الخبر - رأت أمُّه نورًا خرَج منها، أضاءت له أعناقُ الإبل ببُصْرى الشام، وعند قرب مولده عليه الصلاة والسلام لاحَظ الكهَنة والسَّحرة من خلال أعوانهم من الشياطين أنَّ السماء تغيَّرَت أحوالها، وكان ذلك أيضًا عند قُرب مبعثِه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قول الله جل وعلا خبرًا عن الجن: ﴿ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴾ [الجن: 8] كان هذا عند قُرب بَعثته عليه الصلاة والسلام.

وأما عند مولده فكما تقدَّم مِن الخبر عن أمه، وكذلك ما لَحظَه الكهان إبَّان ذلك، وهكذا أيضًا ما سجله القرآن مِن حماية الله جل وعلا لمكَّة والكعبةِ من جيش أبرهة الحبشي وفيله وأعوانه؛ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 1 - 5]، والسورة بعدها، قال الله تعالى: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾ [قريش: 1، 2]، وكان هذا الحدثُ العظيم مع عام مولده عليه الصلاة والسلام؛ فهو مولد عظيم ولا شك في ذلك.

وقد كان هذا المولد الشريف لخير الرسل محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة، فَجْر يوم الاثنين، لاثنتَي عشرة ليلةً خلَت من شهر ربيع الأول، لأول عامٍ من حادثة الفيل، ويوافق ذلك العشرين أو الثانيَ والعشرين من شهر أبريل عام واحد وسبعين وخَمسِمائة للميلاد.

ولكن هذا الحدث العظيم الذي هو عزيزٌ في نفوس المؤمنين؛ هل من حقِّه أن يكون معه شيءٌ من احتفال أو غير ذلك؟

الحاكم في هذا هو هديُه ومنهجه صلى الله عليه وسلم؛ هل فعَل ذلك احتفالًا في بقية أيام عمره الشريف؟ وهل فعل ذلك آلُه الكرام؟ وهل فعل ذلك صحابتُه العظام؟

إن كانوا قد فعَلوا فحقُّنا أن نُتابع، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، ولكن إن لم يَفعلوا مع وجود السبب لذلك، ومعرفتهم بعظمة هذا التاريخ، ثم لم يفعَلوا فهذا دليلٌ على أن هذا الأمر غيرُ مشروع، وأن من فعله كأنما يستدرك على مَن سبق؛ يستدرك على رسول الله، وعلى الآل والأصحاب؛ أنهم لم يقوموا بهذا العمل، وترَكوه، فهو استدراك في غير محله.

وحينئذ فإنَّ التعظيم الحقيقَ لهذا النبي الكريم هو اتباع سنته؛ كما تقدم، لا الابتداع في الدين، ولا مخالفة هديه.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأصلح أحوالهم في كل مكان يا رب العالمين، اللهم قِنا وإياهم المنكرات وسائرَ الفتن يا رب العالمين.

اللهم ابسط علينا في بلادنا الأمن والطمأنينة، وأعِذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ودلَّنا وإياهم على كل خير يا رب العالمين.

اللهم ابسط على عبادك المسلمين في كل مكان الأمن والطمأنينة، اللهم فرِّج همومهم، ونفِّس كروبهم يا رب العالمين. 

اللهم عجل بالفرَج لإخواننا في فلسطين المحتلة، وفي سوريا، وفي غيرها من البلاد يا رب العالمين، اللهم عجِّل بالفرج لهم؛ بحَقنِ دمائهم وحماية أعراضهم يا رب العالمين.

اللهم آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربَّونا صغارًا.

سبحان ربنا ربِّ العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 http://www.alukah.net/spotlight/0/97684/#ixzz4LquiTDmX