Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

-          لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث في هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر (الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل)

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m030.jpg

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله مِن شرورِ أنفُسنا ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

 أما بعد:

أيُّها الإخوة المؤمنون، إنَّ في هدْي نبيِّنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مِن صلاح أحوال الناس، وانتفاعهم في معايشهم، وتجنُّبهم لكلِّ ما فيه الضَّرر، ما هو بيِّن وواضح في هذه الشِّرعة المحمديَّة التي كمَّلها ربُّ العزَّة والجلال، ولذلك أيُّها الإخوة المؤمنون نجد تأكيدَ ربِّنا سبحانه وتعالى على كمال هذه الشِّرعة؛ إذ قال عزَّ مِن قائل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].

 ومِن جُملة ما جاءت هذه الشريعة الغرَّاء برعايته، والعناية به، وتوجيه الناس إلى ما ينبغي أن يَسلُكوه في هذا الشأن العظيم؛ ألا وهو ما يتعلَّق بالحقوق بين الناس، فإنَّ الأنفُس كما أَخبَر جل وعلا: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾ [النساء: 128]، النفْس أمَّارة بالسُّوء، وربما حملتْ صاحبَها على الظُّلم والبغي، وقد قال ربُّنا تعالى وتقدَّس في شأن الإنسان، إذا تخلَّى عن الهدْي الرَّبَّانيِّ، وتخلَّى عن مراقبته لربِّه سبحانه، قال الله تعالى عن هذا الإنسان: ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]؛ لكن حينما يَحضُر الإيمانُ والمراقبةُ للرحمن، والخوف مِن يوم القيامة فإنَّ النفوس حينئذ تحرص على أن تؤدِّي ما في ذمَّتها، وأنْ لا تَظلم الآخرين، لكن إذا غابت هذه المفاهيم، وتَوارَى هذا الشعور؛ فحينئذ يكُون البغْي والظُّلم، وادِّعاء ما لِلآخرين، مع أن حقوق الناس أمرُها عظيم، وشأنُها جليل، وكل مَظْلَمة في هذه الدنيا لا بدَّ أن يُستقضَى مِن صاحبها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((مَن كان لأخيه عليه مَظلَمة فليتحلَّلْه اليومَ قبْل أن لا يكُون دينارٌ ولا درهم))، وهل كثُرَت القضايا في قاعات المحاكم، وردهات القضاء إلَّا بعد أن غاب هذا الشعور؛ ذلك أن الإنسان إذا استَحضَر أنه موقوف بين يدي ربِّه، وأنه سوف يُقتضَى منه كما قال عليه الصلاة والسلام، بل قال ربُّنا تعالى وتقدَّس: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، ويقُول نبيُّنا عليه الصلاة والسلام: ((لَتُؤَدُنَّ الحقوقَ يومَ القيامة حتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاة الجَلْحَاءِ مِن الشَّاة القَرْنَاء))، وفي هذا الشأن حيثُ يَكثُر الادِّعاء، وحيثُ يَكثُر ظُلم الناسِ لآخرين، تأتي التوجيهاتُ النبويَّة لتضبط هذا الجانب إلى أَبعَد حدٍّ، وأَستعرض وإياكم جانبًا مِن هذا الهدْي النبوي في موعظة النفوس، وكفِّها عن ادِّعاء ما ليس لها، وأنْ تؤدِّي الحقَّ الذي عليها، يبيِّن هذا ما روتْه أمُّ سلمة رضي الله عنها وأرضاها، زوج نبيِّنا عليه الصلاة والسلام، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سَمِع جَلبةَ خصمٍ بباب حُجرته فخرج إليهم فقال: ((إنما أنا بَشَرٌ، وإنَّه يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضَهم أنْ يكُون أَبلَغ مِن بعضٍ؛ فأَحسبُ أنه صادقٌ فأقضي له، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلمٍ فإنما هي قطعةٌ مِن النار؛ فليَحْملها أو يَذَرها))، وفي رواية أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضَكم أنْ يكُون أَلْحَنَ بحُجَّتِه مِن بعضٍ؛ فأقضي نحو ما أسمع، فمَن قضيتُ له بحقِّ أخيه فإنما أَقطَع له قطعةً مِن النار))، وفي أخرى نحو ما تقدَّم وقال: ((فمَن قضيتُ له مِن حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخُذْه)) الحديث، رواه البخاري ومسلم. وجاء في رواية عند أبي داود؛ أنَّ رجُلين أَتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يختصمانِ في مواريث لهما، ولم يكُن لهما بيِّنة إلَّا دعواهما فقال صلى الله عليه وسلم: ((لعلَّ بعضَكم أنْ يكُون أَلْحَنَ بحُجَّتِه))، وذكر الحديث، وفي آخره: فبكى الرَّجُلان. وحقَّ لهما أنْ يَبكيا مِن هذه الموعظة النبويَّة العظيمة، قال: فبكى الرَّجُلان، وقال كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه: حقِّي لكَ، فقال لهما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((أما إذ فعلتُما كذلك فاقتسِما، فتوخَّيا الحقَّ، ثم اسْتَهِمَا، ثم تَحَالَّا))، وفي رواية أخرى أيضًا عند أبي داود في سُننه: قالت أمُّ سلمة رضي الله عنها: يختصمانِ في مواريث، وأشياء قد درسَتْ، فقال: ((إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزَّل عليَّ فيه)). وقصْدُها رضي الله عنها: (أشياء قد درسَتْ)؛ يعني: امَّحَتْ، ولم يبق لها أثر، وإنما هي مما يذكر. فهذا الحديث العظيم، والواقعة الكبيرة فيها عِبَر ودروس ينبغي أن تكون حاضرةً، لكلِّ أحدٍ يدَّعي حقًّا له، أو يُدَّعى عليه، وهذا الحديث قد رواه كما تقدَّم البخاريُّ ومسلم وغيرُهما مِن العلماء، وقد بوَّب عليه البخاري في أكثر من كتابٍ في (الجامع الصحيح)؛ حيثُ رواه في كتاب الشهادات، وبوَّب عليه: باب مَن أقام البيِّنة بعد اليمين، وأيضًا رواه في كتاب المَظالم، وبوَّب عليه: باب إثمُ مَن خاصَم في باطلٍ وهو يَعلمُه، وأيضًا رواه في كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخُصوم، وفي باب مَن قُضِي له بحقِّ أخيه فلا يأخُذْه، وفي باب القضاء في كثيرِ المالِ وقليلِه.

 والمقصود: أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قدَّم بين حكْمه في خصومة هذين الخصمين هذه الموعظة الشريفة، وأكَّد في بدْء موعظتِه عليه الصلاة والسلام أنَّه بَشَرٌ؛ امتِثالًا للأمر الرَّبَّانيِّ: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾ [الكهف: 110]، فهو عليه الصلاة والسلام يؤكِّد أنَّه إذا عُرضت عليه الأحكامُ واستفصلَت الخصوماتُ، فإنه يَقضي بحسب بشريَّته، فهو يجتهد عليه الصلاة والسلام في أنْ يُثبت الحقَّ لصاحبه، ثم قال: ((لعلَّ بعضكم أن يكُون أَلحنَ بحجَّته))؛ يعني: أَقوَم بها وأَقدَر عليها، فيكُون عنده مِن التفصيل، ومِن الفطنة، ومِن بلاغة الكلام ما يجعل مَن أمامه يقتنع بقوله، ولذلك ربما قضَى لصاحب هذا الكلام البليغ، مع أنه ليس بصاحب حقٍّ، ونَستَحضر في هذا المقام ما رواه النسائي في سُننه؛ أنَّ نبيَّ الله سليمان عليه السلام جاءتْه امرأتانِ تختصماِن فيما وقع لهما، خرجتا للرَّعْي، وكل منهما معها طفلُها صغيرُها في المهْد، فعدا الذئبُ على طفلِ إحداهما فأخَذَه وأكَلَه، ثم إنَّ الأخرى ادَّعت أن هذا الطفل طفلُها، وارتَفعَتا إليه عليه السلام، فلمَّا لم يكُن بيِّنة، ولا حجَّة واضحة، وربما كانت التي أُخذ طفلُها أَلحَنَ بحُجَّتها إذا به عليه السلام يَعْمد إلى مقولةٍ يَختَبر بها فِطْرة الأمومة عند كلٍّ منهما، فقال: أما وقد قُلتُما ذلك؛ فأْتِياني بسكِّين أشُقَّه بينكما، فقالت أمُّه الحقيقية: لا، رحمك الله، هو ولدُها، فقضى به لها. والمقصود: أنَّ هذا النبيَّ الكريم لم يَظهَر له لِمَن يكون هذا الولد، ولعل الأخرى كانت أَلحنَ في حُجَّتها.

 فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقرِّر في هذا المقام بَشَريَّته ومِن باب أَولَى القُضاة والحكَّام، فإنهم إنما يجتهدون ويتوخَّون العدل، ومع ذلك أحدُ المتخاصمين عنده حُجَجٌ كلامية، وربما كان الآخر ليس عنده بيِّنة على حقِّه وهو صاحب الحقِّ، فيقضى حينئذٍ لِغيرِ صاحب الحق، وهذا يُحتاج معه حينئذ إلى هذه الموعظة النبويَّة ((وإنه يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضكم أن يكُون أَبلغَ مِن بعض))، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((فأَحسبُ أنه صادقٌ))؛ مِن خلال ما ذكره مِن الكلام، يعني: وهو في الباطن كاذب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((فأقضي له بذلك))، أقضي على نحو ما أسمع، وما عُرضَ عليَّ، فقال: ((فمَن قضيتُ له بشيءٍ مِن حقِّ أخيه...))، فهو يقرِّر عليه الصلاة والسلام أن ذلك عاقبتُه أنه قطعةٌ مِن النار يأخُذها هذا الذي قُضي له وهو ليس بصاحب حقٍّ، وهذا لما قال عليه الصلاة والسلام: ((فليأخُذها أو ليترُكها))، ليس على سبيل التخيير؛ ولكنَّه على سبيل التهديد، كما قال ربُّنا سبحانه في كتابه العزيز: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]؛ ليس هذا للتخيير؛ ولكنه تهديد ووعيد، بعد أن استبان الحقُّ، وعُرفَت العاقبةُ والحساب بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ﴾ ليكون مثواه الجَنَّة، ﴿ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ومثواه النار، وهكذا مَن قُضي له بحقِّ أخيه فهي قطعة مِن النار، وعاقبتُه النار، فليأخُذها إذا أراد هذه العاقبة السيِّئة، وأراد أن يتعجَّل حظَّه في الدنيا، ونسِي ما في الآخرة.

 فهذا الحديث العظيم، والموعظة النبويَّة الكريمة نحتاجها جميعًا؛ لأننا في هذه الحياة يوشك ألَّا يخلو أحدٌ منا مِن خصومة أيًّا كان نوعُها، فلا بدَّ أن يستحضر محكمة العدل الإلهية التي لا يَخفَى على الله فيها شيء ﴿ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18]، وحينئذٍ يؤدِّي ما يجب عليه، ولا يحتاج إلى بيِّنات يُقيمها خصْمُه، ولا إلى محاكم، ولا إلى قضاء، متى استحضر الإنسانُ ذلك الموقف يوم الدِّين.

 قال العُلماء: في هذه الواقعة التي حصَلَت بين الخصمَين عند الحجرة النبوية، وما وَعظ به رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم فوائدُ عديدة ومِن ذلك: إثمُ مَن خاصم في باطلٍ حتَّى استحقَّ به في الظاهر شيئًا هو في الباطن حرامٌ عليه؛ نبَّه إلى هذه الفائدةِ الحافظُ ابنُ حجر رحمه الله. وهكذا ذكر أيضًا عددًا من الفوائد؛ ومن ذلك: أنَّ مَن ادَّعى مالًا ولم يكُن له بيِّنة فحلف المدَّعَى عليه، وحكَم الحاكم ببراءة الحالِف أنه لا يبرأ في الباطن، وأنَّ المدَّعي لو أقام بيِّنة بعد ذلك تُنافي دعواه سُمعَت، وبَطَلَ الحكْم. وفيه مِن الفوائد أيضًا: أنَّ مَن احتال لأمرٍ باطلٍ بوجهٍ مِن وجوه الحِيَل حتى يصير حقًّا في الظاهر، ويحكم له به؛ أنه لا يحلُّ له تناوُله في الباطن، ولا يَرتفع عنه الإثم بالحكْم. قد يقول بعضُ الناس: حكَم لي القاضي، وأُنصفْتُ مِن الحكومة، وهو يَعلم في واقع الأمْر أنه لا يحلُّ له، وأنه ليس بحقٍّ له، فحُكم المحكمة، وإقرارُ الجهة الحكوميَّة لا يجعل هذا الذي أُعطي، لا يجعله حلالًا له؛ لأنه محُاكَم بين يدي ربِّه بما يَعتقده هو، وما يَعلَمه هو. وفيه مِن الفوائد أيضًا: أنَّ المجتهد قد يُخطئ فيُرَدُّ به على مَن زعم أنَّ كلَّ مجتهدٍ مُصيب؛ العالِم يجتهد، والقاضي يجتهد بحسب ما يُعرض عليه، وقد يُصيب وقد يُخطئ. وفيه مِن الفوائد أيضًا: أنَّ المجتهد إذا أخطأ لا يَلحَقه إثم، بل إنه يُؤْجَر، إذا اجتهد الحاكم والقاضي في إثبات الحكْم، ولكنَّه إذا أخطأ فإنَّه لا يأثم بهذا طالما أنه قد استَفرَغ جهدَه في إحقاق الحقِّ، ورده لصاحبه، لكنه أخطأ في واقع الأمر، فلا إثم عليه، بل هو مأجور على ما اجتهد. وفيه مِن الفوائد أيضًا أنَّه يَنبغي موعظة الناس، وخاصَّة عند تخاصُمهم ليعتمدوا الحقَّ، ويَعملوا به، وأنْ يحرصوا على براءة ذممهم في موقف لا ينفع فيه مال ولا بنون، موقف يَتخارَج فيه الناس، ويُستَقضى لبعضهم بالحسنات، وليس بما أَخَذوا مِن بعضهم في الدنيا مِن الأموال وغيرها مِن المنقولات، وهذا يوضِّحه قوله عليه الصلاة والسلام للصحابة رضي الله عنهم، وهو خطاب للأمَّة جميعًا: ((أَتَدْرُون مَن المُفْلس؟)) قالوا: يا رسول الله، المفْلس مِن لا دينار له ولا درهم، قال: ((لكن المُفْلس مِن أمَّتي مَن يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ولكن يأتي وقد ضَرب هذا، وأَخذَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، فيُؤخذ لهذا مِن حسناته، ولهذا مِن حسناته؛ فإنْ فنيَتْ حسناتُه قبْل أنْ يقضَى ما عليه أُخذَ مِن سيِّئاتهم ثم طُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار)). حقوق الخلْق أيُّها الإخوة عظيمة، لا يَصلُح أن يتساهل فيها، بل الواجب الحرصُ على ردِّها، وعلى إنصاف النفْس مِن هذه الحقوق؛ حتى لا يقف المسلمُ موقفَ المفلس يوم القيامة.

 بارك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَني وإيَّاكم بهدْي النبيِّ الكريم، أقول ما سمعتُم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين مِن كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدِّين، وصلى الله وسلَّم على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

 أما بعد:

فهذا أيُّها الإخوة المؤمنون، جانبٌ مِن الإدارة النبويَّة لمجلِس الحكْم، وهو تذكيرُ الخُصوم بأنهم وإنْ أَدلَوا بما أَدلَوا به مِن أقوالهم، فإنهم مع ذلك لا يَخفَى حالُهم على عالِم السرِّ وأَخفَى ((إنما أنا بَشَرٌ، وإنه يأتيني الخصم، فلعلَّ بعضهم أنْ يكُون أَبلَغ مِن بعض، فأَحْسب أنه صادقٌ فأقضي له، فمَن قضيتُ له بحقِّ مسلمٍ فإنما هي قطعةٌ من النار فليَحْملها أو يَذَرها))، هكذا يَعِظُ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الخصومَ حتَّى يكُونوا عونًا للقاضي وللحاكم في إثبات الحقِّ لأهلِه، ويؤكِّد النبيُّ عليه الصلاة والسلام هذا المنهجَ الراسخ؛ بأنْ ليس كلُّ أحدٍ يدَّعي دعوى فإنه يكُون صادقًا فيها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام، كما روى عبد الله بنُ عباس رضي الله عنهما، قال: ((لو يُعطى الناسُ بدعاويهم لادَّعى قومٌ دِماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكن اليَمِين على المدَّعى عليه)). رواه مسلم، وأيضًا روى البخاريُّ ومسلم؛ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قضَى باليَمين على المدَّعى عليه. هكذا يؤكِّد عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يُكتفى بالادِّعاء، وادِّعاء الإنسان بأمْر ما ليس مُثبتًا لحكْمه، فالله عالمٌ به، ومع ذلك إنِ ادَّعى فلا بدَّ مِن بينة، ولذا جاء في رواية عند البخاري أنَّ امرأتين كانتا تخرزان في بيتٍ أو في حجرة، فخرجت إحداهما وقد أُنفذ بإشفًى في كفِّها، يعني: أنَّ الإبرة قد غرزت كفِّها حتى خرجتْ مِن الطرف الآخر، خرجتْ فادَّعَت على الأخرى، يعني: أنها هي التي فعلَت ذلك، فرُفع هذا إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال عبد الله بن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو يُعطى الناسُ بدَعواهم لَذَهَب دماؤهم وأموالهم))، ذَكِّروها بالله واقرؤوا عليها: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: 77]؛ فذَكَّروها فاعترفَت، يعني: أنها كانت كاذبة في دعواها على المرأة الأخرى، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اليمين على المدَّعَى عليه)). يقول الإمام النووي رحمه الله: هذا الحديث قاعدةٌ كبيرةٌ مِن قواعد أحكام الشرْع، ففيه: أنه لا يُقبل قولُ الإنسانِ فيما يدَّعيه بمجرَّد دَعْواه، بل يحتاج إلى بيِّنة أو تصديق المدَّعَى عليه، فإنْ طلَب يمين المدَّعَى عليه فله ذلك، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم الحكْمة في كونه لا يُعطَى بمجرَّد دَعْواه، لأنه لو كان أُعْطي بمجرَّدها لادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالَهم واستُبيحَت، ولا يمكن المدَّعَى عليه حينئذٍ أنْ يَصُون مالَه ودمَه، يعني بمجرَّد الدَّعوَى، وأما المدَّعي فيُمْكنه صيانتُها بالبيِّنة.

 والمقصود أيها الإخوة المؤمنون: أنَّ الإنسان يحتاج إلى أن يُنْصف نفسَه، أنْ يُنْصفها بأن يخلِّصها مِن ادِّعاء ما ليس لها، وأنْ يؤدِّي الحقَّ للآخرين، وبذلك يسلم دينه، ويسلم يومَ الوُقوف بين يدي ربِّ العزة والجلال.

 وإنَّ مِن خير ما يُوصى به في هذا اليوم الشريف: أنْ تُكثِروا مِن الصلاة على نبيِّكم محمد، فقد أَمَرَنا ربُّنا بذلك في كتابنا العزيز، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((إذا كان يوم الجمعة، وليلة الجمعة، فأَكْثِروا مِن الصلاةِ عليَّ، فإنَّ صلاتكم معروضةٌ عليَّ)).

 اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

اللهم وارضَ عن خُلفائه الرَّاشدين والأئمَّة المهديِّين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم اغفر لنا ولوالدِينا وارحمهم كما ربَّونا صغارًا.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم أَصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، وألِّف بين قلوبهم يا ربَّ العالمين.

اللهم ابسُط علينا في بلادنا الأمْن والإيمان والاستقرار.

اللهم أَصلِح أئمَّتَنا ووُلاةَ أمورنا، ووفِّقْهم لما فيه خير البلاد والعباد.

اللهم خلِّص المسجدَ الأقصَى مِن رجْس اليهودِ وبغْيهم، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم مِن شرورهم يا قويُّ يا عزيز.

اللهم مَن أراد بالإسلام والمسلمين سوءًا فأشْغِلْه بنفسِه، واجعل تدبيرَه تدميرًا عليه يا سميع الدُّعاء.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

سبحان ربِّنا ربِّ العزَّة عمَّا يَصِفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين.

http://www.alukah.net/sharia/0/125183/#ixzz59jLI4B2k