Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

من صان صومه وحفظه كان صومه جنة أي وقاية له عن اتباع الشهوات وعن النار فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم. متفق عليه

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

ننصحك بقراءة هذا الإصدار

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m027.jpg

أولاً: من القرآن الكريم وتفسيرها :

قال الله تعالى: ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( [الأنبياء :107].

فإذا كان إرسال الرسل رحمة لقومهم، فإن رسالة النبي رحمة لمن اتبعه وعصاه.

قال الطبري: " أرسل نبيَّه محمدا (صلى الله عليه وسلم)رحمة لجميع العالم مؤمنهم وكافرهم فأما مؤمنهم فإن الله هداه به وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنة، وأما كافرهم فأنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله " ([1]).

وقال الشوكاني: " أي: وما أرسلناك يا محمد بالشرائع والأحكام إلا رحمة لجميع الناس.. ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين.. ومعنى كونه رحمة للكفار: أنهم أمِنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال.. بدليل قوله سبحانه: )وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( [الأنفال: 33 ] ([2]).

وقال الله تعالى: ) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( [التوبة:61].

قال الطبري: " بمعنى : وهو رحمة للذين آمنوا منكم، وجعله الله رحمة لمن اتبعه واهتدى بهداه وصدق بما جاء به من عند ربه؛ لأن الله استنقذهم به من الضلالة وأورثهم باتباعه جناته " ([3]).

وقال الواحدي: " أي: وهو رحمة؛ لأنه كان سبب إيمانهم " ([4]).

وقال ابن الجوزي: " أذن خير لا أذن شر يسمع الخير فيعمل به ولا يعمل بالشر... والمعنى مستمع خير ورحمة " ([5]).

وقال ابن عاشور: " وجملة ( يؤمن بالله ) تمهيد لقوله بعده ( ويؤمن للمؤمنين ) إذ هو المقصود من الجواب لتمحضه للخير وبعده عن الشر بأنه يؤمن بالله، فهو يعامل الناس بما أمر الله به من المعاملة بالعفو والصفح والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين، وبأن لا يؤاخَذ أحد إلا ببينة، فالناس في أمن من جانبه فيما يبلغ إليه؛ لأنه لا يعامل إلا بالوجه المعروف؛ فكونه يؤمن بالله وازع له عن المؤاخذة بالظنة والتهمة، والإيمان للمؤمنين تصديقهم في ما يخبرونه... فتصديقه إياهم لأنهم صادقون لا يكذبون، لأن الإيمان وازع لهم عن أن يخبروه الكذب فكما أن الرسول لا يؤاخذ أحداً بخبر الكاذب فهو يعامل الناس بشهادة المؤمنين فقوله: )وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ( ثناء عليه بذلك يتضمن الأمر به... وعطف جملة: ( ورحمة ) على جملتي ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)؛ لأن كونه رحمة للذين يؤمنون بعد علمه بنفاقهم أثر لإغضائه عن إجرامهم ولإمهالهم حتى يتمكن من الإيمان من وفقه الله للإيمان منهم، ولو آخذهم بحالهم دون مهل لكان من سبق السيف العذل، فالمراد من الإيمان في قوله: (آمنوا) الإيمان بالفعل لا التظاهر بالإيمان كما فسر به المفسرون. يعنون بالمؤمنين المتظاهرين بالإيمان المبطنين للكفر وهم المنافقون، وقرأ حمزة بجر (ورحمةٍ) عطفا على (خير) أي أذن رحمة والمآل واحد " ([6]).

وقال الله تعالى: ) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ([الحجرات: 7] .

قال الطبري: " اعلموا أيها المؤمنون بالله ورسوله أن فيكم ([7]) رسول الله فاتقوا الله أن تقولوا الباطل وتفتروا الكذب فإن الله يخبره أخبارَكم، ويعرفه أنباءَكم، ويقوِّمه على الصواب في أموره.. لو كان يعمل في الأمور بآرائكم ويقبل منكم ما تقولون له فيطيعكم لنالكم الشدة والمشقة في كثير من الأمور بطاعته إياكم لو أطاعكم... ولكن الله حبَّب إليكم الإيمان فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمون به فيقيكم الله بذلك من العنت ما لو لم تطيعوه وتتبعوه وكان يطيعكم لنالكم وأصابكم " ([8]).

وقال الله تعالى: ) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ( [ آل عمران: 159] .

قال الطبري: " فبرحمة الله يا محمد ورأفته بك وبمن آمن بك من أصحابك )لِنتَ لَهُمْ ( لأتباعك وأصحابك فسهلت لهم خلائقك وحسنت لهم أخلاقك حتى احتملت أذى من نالك منهم أذاه، وعفوت عن ذي الجرم منهم جرمه، وأغضيت عن كثير ممن لو جفوت به وأغلظت عليه لتركك ففارقك ولم يتبعك ولا ما بعثت به من الرحمة، ولكن الله رحمهم ورحمك معهم فبرحمة من الله لنت لهم " ([9]).

وقال ابن كثير: " يقول تعالى مخاطباً رسوله ممتناًّ عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره التاركين لزجره وأطاب لهم لفظه... أي شيء جعلك لهم لينا لولا رحمة الله بك وبهم...وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد (صلى الله عليه وسلم) بعثه الله به...لو كنت سيء الكلام قاسي القلب عليهم لا نفضوا عنك وتركوك ولكن الله جمعهم عليك وألان جانبك لهم تأليفا لقلوبهم" ([10]).

وقال الثعالبي: " ومعنى هذه الآية التقريع لكل من أخلَّ يوم أحد بمركزه، أي كانوا يستحقون الملام منك ولكن برحمة منه سبحانه لنت لهم وجعلك على خلق عظيم وبعثك لتتميم محاسن الأخلاق، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من حولك وتفرقوا عنك، والفظ الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفته (صلى الله عليه وسلم) في الكتب المنزلة ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، والفظاظة الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ،وغلظ القلب عبارة عن تجهُّم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة، والانفضاض افتراق الجموع، وقوله تعالى: )..فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ..( [آل عمران: 159] أمر سبحانه نبيَّه عليه السلام بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، فأمره أن يعفو عنهم فيما له عليهم من حق، ثم يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلا"([11]).

وقال الزمخشري: " ومعنى الرحمة: ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم " ([12]).

وقال الله تعالى: ) لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( [التوبة (128].

قال الطبري: " إن الله عمَّ بالخبر عن نبي الله أنه عزيز عليه ما عنت قومه ولم يخصص أهل الإيمان به فكان (صلى الله عليه وسلم) كما جاء الخبر من الله به عزيز عليه عنت جميعهم ...حريص على هدى ضلالكم وتوبتهم ورجوعهم إلى الحق " ([13]).

وقال القرطبي: " الخطاب للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك؛ إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه وشرفوا به غابر الأيام، وقال الزجاج: هي مخاطبة لجميع العالم ... والأول أصوب قال ابن عباس : " ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي (صلى الله عليه وسلم) والقول الثاني أوكد للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به " ([14]).

وقال الله تعالى: )وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( [الشعراء :215].

قال الطبري: " يقول تعالى ذكره لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) : وألن لمن آمن بك واتبعك واتبع كلامك وقربهم منك ولا تجف بهم ولا تغلظ عليهم يأمره تعالى ذكره بالرفق بالمؤمنين، والجناحان من بني آدم: جنباه والجناحان: الناحيتان. ومنه قول الله تعالى ذكره: ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى( [ طـه: 22]. قيل: معناه : إلى ناحيتك وجنبك" ([15]).

وقال الله تعالى:) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( [ القلم : 4] .

قال ابن كثير: " معنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية له وخلقاً تطبعه... مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: خدمت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عشر سنين فما قال لي أف قط ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته ؟ وكان (صلى الله عليه وسلم) أحسن الناس خلقاً ولا مسست خزاً ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، ولا شممت مسكاً ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " ([16]).

وقال الله تعالى: ) مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا( [الفتح :29].

قال الكلبي: " الوصف بالشدة والرحمة يشمل النبيَّ (صلى الله عليه وسلم) وأصحابَه، وأما على ما اختاره ابن عطية فيكون الوصف بالشدَّة والرحمة مختصاًّ بالصحابة دون النبي (صلى الله عليه وسلم)، وما أحق النبي (صلى الله عليه وسلم) بالوصف بذلك ؛ لأن الله قال فيه: )... بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( [التوبة:128]" ([17]).

وقال الشوكاني: " قرأ الجمهور برفع أشداء و رحماء على أنه خبر للموصول أو خبر لمحمد وما عطف عليه " ([18]).

وقال أبو السعود العمادي: " والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة " ([19]).

 

ثانياً: من السنة النبوية:

حرصت على أن أصدِّر كلام النبي (صلى الله عليه وسلم) لأن حقَّه التقديم، وليرتبط القارئ بالنص مباشرة، ثم يأتي التعليق واستخراج بعض الخواطر والآثار التي تحتاج إلى إظهار لمناسبة المبحث.

عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة " ([20]).

مظهر الرحمة:

لقد حصر نفسه (صلى الله عليه وسلم) بالرحمة، وهذا يدل على أن أمره كله مشتمل على الرحمة بشخصه وفعله. وهذا مصدر شدّة حب أتباعه له، وتعلق الأنفس به وفداه.

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: " قيل: يا رسول الله ادع الله على المشركين. فقال: إني لم أُبْعَث لعَّاناً ولكن بُعثتُ رحمةً " ([21]).

مظهر الرحمة:

انتصر (صلى الله عليه وسلم) على نفسه وأسقط حقَّها وآثر العفوَ والصفحَ والتجاوزَ، وهذا خلق المشفق على الأمة، ومظهر من مظاهر رحمته، وهكذا الداعية يجعل خلقَه سُلَّماً يصعد عليه المخالفون إلى الحقيقة..

قال المناوي: " لأنه حُشِي بالرحمة والرأفة فاستنار قلبه بنور الله، فرقَّت الدنيا في عينه، فبذل نفسه في جنب الله، فكان رحمة ومفزعاً ومأمناً وغياثاً وأماناً فالعذاب لم يُقصد من بَعْثِه " ([22]).

وعن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسمي لنا نفسه أسماء. فقال: " أنا محمد، وأحمد، والمقفّي، والحاشر، ونبيُّ التوبة، ونبيُّ الرحمة " ([23]).

قال ابن القيم: " إنما بَعث (يعني اللهَ تعالى) رسوله بالحنيفية السمحة لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبيُّ الرحمة، وأمته الأمة المرحومة، وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأفعاله الحميدة فلا يخبر عنه إلا بحمده، ولا يثني عليه إلا بأحسن الثناء، كما لا يُسمَّى إلا بأحسن الأسماء " ([24]).

وعن أبي هريرة (رضي الله عنه): أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ([25]).

مظهر الرحمة:

وهذا اعتراف بما لدى الناس من أخلاق. لقد اعترف (صلى الله عليه وسلم) بأصول هذه الأخلاق، وجعل دوره إتمامها: إما بأن يكون فعلها خالصاً لله فلا تضيع الجهود والأتعاب سدى، وإما بأن يضيف إليها ما يقتضي الاعتدال، فإن الكرم إذا زاد تحوَّل إسرافاً، والتواضع إذا زاد تحوَّل ضَعَةً وهكذا، فجاء بالميزان الشرعي الذي يحقق قيمةَ الخلُقِ وإنصافَ النفسِ من الذوبان في ظلِّ غياب معيار القِيمِ.

وفي حديث أول ما بدأ الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من حديث عائشة رضي الله عنها الطويل لما قال النبي (صلى الله عليه وسلم):" لقد خشيت على نفسي" قالت خديجة رضي الله عنها:" كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" ([26]).

مظهر الرحمة:

هذه مجموعة من الصفات والمظاهر لرحمته (صلى الله عليه وسلم)، كلها تتضمن الرحمة بالآخرين، فمقتضى هذه الرحمة قام بهذه الحقوق، فالرحم: فيها المرأة والصغير. وكسب المعدوم الذي لا يجد شيئاً فانقطع به الحال إلى العدم، والضيف غريب ضاقت عليه مسالكُ البلد، ونوائب الحق: ما يحدث للناس من نائبات الدَّهر، وملمَّات الزمان، ونوازل وكوارث، يظهر أمام هذا كلِّه دورُه (صلى الله عليه وسلم)، فقد ضرب من كلِّ غنيمةٍ بسهم.ب

وعن أبيّ بن كعب (رضي الله عنه) أنه قال: إن أبا هريرة كان حريصا ًعلى أن يسأل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أوّل ما رأيت في أمر النبوّةِ ؟ فاستوى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) جالساً وقال: " لقد سألت أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشر سنين وأشهرٍ وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجُل: أهوَ هُو ؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرها لخٍلْقٍ قط، وأرواحٍ لم أجدها من خَلْقٍ قطّ، وثياب لم أرها على أحدٍ قط، فأقبلا إليّ يمشيان حتى أخذ كل واحدٍ منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مساً. فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. فأضجعاني بلا قَصر ولا هَصر ([27]). وقال: أحدهما لصاحبه: افلِقْ صدرَه. فهوى أحدهما على صدري ففلقها، فيما أرى بلا دم ولا وجعٍ، فقال له: أخرج الغلّ والحسد، فأخرج شيئاً كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له: أدخل الرأفةَ والرحمةَ، فإذا مثل الذي أخرجه يشبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغدُ واسْلَم، فرجعتُ بها أغدوُ رقة على الصغير، ورحمةً للكبير " ([28]).

وعن سعد بن هشام بن عامر قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قالت: " كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه"وفي لفظ:" أما تقرأ القرآن؟ قول الله عز وجل: )وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ( [القلم:4] ([29]).

قال أبو الحسن السندي: " كون خلقه القرآن هو أنه كان متمسِّكاً بآدابه وأوامره ونواهيه ومحاسنه، ويوضحُه أن جميعَ ما قصَّ الله تعالى في كتابه من مكارم الأخلاق مما قصَّه من نبي أو ولي، أو حثَّ عليه، أو ندب إليه كان (صلى الله عليه وسلم) متخلِّقًا به، وكل ما نهى الله تعالى عنه فيه ونزَّه كان صلى الله تعالى عليه وسلم لا يحومُ حوله " ([30]).

وقال ابن القيم: " هذا وأمثاله من الأخلاق التي أدَّب الله بها رسوله.. وهذا لا يتم إلا بثلاثة أشياء:

إحداها: أن يكون العود طيِّباً، فأما إن كانت الطبيعة جافية غليظة يابسة عسر عليها مزاولة ذلك علماً وإرادةً وعملاً بخلاف الطبيعة المنقادة اللينة السلسة القِياَد، فإنها مستعدة إنما تريد الحرث والبذر.

الثانية: أن تكون النفس قويةً غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغيِّ والهوى، فإن هذه الأمور تنافي الكمال، فإن لم تَقْوَ النفس على قهرها وإلا لم تزل مغلوبة مقهورة.

الثالث: علم شاف بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم والزجاجة والجوهرة، فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث، وساعد التوفيق فهو القِسمُ الذي سَبقتْ لهم من ربهم الحسنى وتمَّت لهم العناية " ([31]).

 

 

 

فآمنوا بنبي لا أباً لكمُ
رَأفٍ رحيمٍ بأهل البر يرحمهم

 

 

ذي خاتمٍ صاغَهُ الرحمن مختومُ
مقربٍ عند ذي الكرسي مرحومُ ([32])

 

 

ثالثاً: من أقوال علماء الغرب في رحمته (صلى الله عليه وسلم) وصفاته الحميدة:

الحق قد يشهد به المنصفون من المخالفين، وهو من كرم النفوس حين تنطق بالصدق ولو مع المخالف؛ فهذا من قول الحق. ومن أشدِّ الأمور على النفوس أن تُغمَطَ حقَّها في ظل الخلاف والخصومة، وقد أمر الإسلام بذلك (العدل والإنصاف) )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ( [ المائدة:8] .

قال (أميل ديرمانجم) المستشرق المعروف في كتابه ( حياة محمد ):

" إن محمداً رسول الإسلام لم يكن إلا رجلاً أمياً كجميع بني جلدته في عصره ، وكان يعلم أن الإله رحيم رحمة لا حد لها ، فأجهد نفسه في أن يعلو على الطبيعة البشرية ، وأن يقهر في نفسه الميول الانتقامية .. وقد أبدى في أغلب حياته؛ بل طول حياته اعتدالاً لافتاً للنظر ، فقد برهن في انتصاره النهائي على عظمة نفسيةٍ قلَّ أن يوجد لها مثيل في التاريخ ، إذ أمر جنودَه أن يعفوا عن الضعفاء المسنين والأطفال والنساء، وحذرهم من أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار ، أو يقطعوا الأشجار المثمرة ، وأمرهم أن لا يجردوا السيوف إلا في حالة الضرورة القاهرة؛ بل قد بلغنا أنه كان يؤنب بعض قواده ويصلح أخطاءهم إصلاحاً مادياً "([33]).

وقال (وليم موير) المؤرخ الإنجليزي في كتابه (حياة محمد ):

" إن حياة محمد التاريخية لا يمكن أن توصف بأحسن مما وصفه الله.. حين قال: ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ( سورة الأنبياء [ المائدة:8] . كان رحمة حقيقية لليتامي وأبناء السبيل والمنكوبين والمدينين وجميع الفقراء والمساكين والعمال ذوي الكدِّ والعناء، ولقد كان رحمة لجنس النساء الذي كان يُعامَل كالأمتعة والأثاث لا غير ... " ([34]).

ويقول ( لين بول) المستشرق الإنجليزي:

" إن محمدًا - عليه السلام- كان يتصف بكثير من الصفات الحميدة ... وقد بلغ من نبله أنه لم يكن طول حياته البادئَ بسحب يده من يد مصافحه حتى ولو كان المصافح طفلاً ، ولم يمر بجماعة يوماً رجالاً كانوا أو أطفالاً دون أن يقرأ عليهم السلام، وفي شفتيه ابتسامة حلوة، وفي فمه نغمة جميلة تكفي لسحر سامعها فيجذب القلوب إليه جذباً" ([35]).

 

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) تفسير الطبري 9/99.

([2]) فتح القدير، الشوكاني 3/616.

([3]) تفسير الطبري 6/405.

([4]) الوجيز للواحدي 1/470.

([5]) زاد المسير، ابن الجوزي 3/461.

([6]) التحرير والتنوير، ابن عاشور 10/135.

([7]) أي: بين أظهركم، تفسير ابن كثير، 4/211.

([8])تفسير الطبري، 26/ 125.

([9]) تفسير الطبري، 3/ 494.

([10]) تفسير ابن كثير، 1/556.

([11]) تفسير الثعالبي 1/326-327.

([12]) الكشاف، الزمخشري 1/216.

([13]) تفسير الطبري 6/523.

([14]) تفسير القرطبي 8/301.

([15]) تفسير الطبري 7/ 542.

([16]) تفسير ابن كثير 4/514.

([17]) التسهيل في علوم التنزيل، الكلبي 4/56.

([18]) فتح القدير ، الشوكاني 5/55، وهذا المعنى اختاره ابن سعدي في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/795.

([19])إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم، أبي السعود العمادي 8/114.

([20]) الدارمي في سننه، (15)، والحاكم في المستدرك، ح (100)، والبيهقي في شعب الإيمان، ح (1402)، وصححه الألباني. المشكاة ح (5800).

([21]) مسلم، ح (2599)، والبخاري في الأدب المفرد، ح (321).

([22]) فيض القدير، المناوي 2/573.

([23]) مسلم ،ح (2355) والمقفّي: المتبِع للأنبياء. والحاشر: أي الذي يُحشر الناس خلفه وعلى ملته دون ملة غيره. انظر تعليقات فؤاد عبدالباقي على مسلم، 4/1828.

([24]) طريق الهجرتين، ابن القيم، ص 215.

([25]) الحاكم في المستدرك، ح (4221)، وأحمد في المسند، ح (8939) 2/381 بلفظ: " صالح الأخلاق". والحديث صححه الألباني، السلسلة الصحيحة ح (45).

([26]) البخاري، ح (4)، ومسلم، ح (160).

([27]) بلا قَصْر ولا هَصْر: أي بلا عنف ولا ضغط.

([28])أحمد، ح (21296) 5/139، وضعف إسناده شعيب الأرناؤوط.

([29]) مسلم، ح (746)، وأحمد في المسند، ح (24645)، واللفظ له، وصححه الألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادته، ح (8942).

([30]) حاشية السندي على سنن النسائي، أبو الحسن السندي، 3/200.

([31])الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه، ابن القيم، ص 77.

([32]) لسان العرب، ابن منظور 9/112، تاج العروس، الزبيدي 1/5857.

([33]) محمد رسول الإسلام في نظر فلاسفة الغرب، محمد فهمي عبدالوهاب، ص 32،34.

([34]) موقع: مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية، على شبكة الإنترنت.

http://www.asharqalarabi.org.uk

([35]) محمد رسول الإسلام في نظر فلاسفة الغرب، محمد فهمي عبدالوهاب، ص 35.