Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم: فقال له قائل ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم قال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف) متفق عليه والمغرم هو الدين. 

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m032.jpg

نسبه (صلى الله عليه وسلم):

هو أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدْركَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان ([1]).

ولادته ونشأته (صلى الله عليه وسلم):

ولد محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عام الفيل بمكة، ([2]) وكان والده عبد الله قد توفي وأمه آمنة حامل به، ولما ولدت آمنةُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان في حجر جده عبد المطلب فاسترضعته امرأة من بني سعد بن بكر يقال لها: حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية.

ولما شبَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اتجه إلى العمل، فرعى الأغنام، لما فيها من كسب شريف، وتربية نفسية، وترويض على العطف على الضعفاء، وسياسة للأوابد، واستنشاق للهواء النقي الصافي، وتقوية للجسم، وفوق ذلك كله أنه اتّباع لسنة الأنبياء ([3]).

فشبَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يحفظه الله ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها لما يريد به من كرامته ورسالته، وهو على دين قومه حتى بلغ أن كان رجلا: أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطة، وأحسنهم جواراً، وأعظمهم خلُقاً، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانةً، وأبعدهم من الفحش، والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهاً وتكرماً حتى سماه قومه بـ " الأمين " ؛ لما جمع الله عز وجل فيه من الأمور الصالحة ([4]).

زواجه (صلى الله عليه وسلم) بخديجة بنت خويلد رضي الله عنها:

ذكر أهل السير تفاصيل تتعلق ببداية تعارفه (صلى الله عليه وسلم) بأول زوجاته: خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، عن طريق عمله (صلى الله عليه وسلم) في تجارة لها، حيث كانت تاجرة ذات شرف ومال ، فلما بلغها عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه عرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجراً وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار مع غلام لها يقال له ميسرة، فربح بتجارتها وحكى لها غلامها عن أخلاقه (صلى الله عليه وسلم) وطباعه، وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته فبعثت غلامها إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)فقالت له: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك، وأمانتك وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها فقبل ذلك وتزوجها (صلى الله عليه وسلم) وقد بلغ خمساً وعشرين سنة، وروي أنه أصدقها اثنتى عشرة أوقية ذهب ([5]).

حلف الفضول ([6]) :

وشهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)حلف الفضول، وكان أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب. وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم)مغتبطاً بهذا الحلف، مثنياً عليه بعد البعثة يقول: " لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً، لو دُعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردُّوا الفضول إلى أهلها، وأن لا يَعْدُ ظالم مظلوماً "([7]).

تتجلَّى في هذا الحلف والمشاركة فيه الروحُ الرحيمةُ التي يتصف بها النبي (صلى الله عليه وسلم)حيث أن من مضامين هذا الحلف: رفع الظلم، ونشر العدل، والإحساس بالضعفاء.

بنيان الكعبة ودرء فتنة عظيمة ([8]):

اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وقد أرادوا ذلك ليسقفوها، وكانت حجارة من غير طين، وكان لا بد من هدم وبناء جديد. فلما بلغ البنيان موضع الركن، اختصموا في الحجر الأسود، كل قبيلة تريد أن يكون لها هذا الشرف بأن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى آلَ الأمرُ إلى الحرب، وأعدُّوا للقتال، ومكثت قريش على ذلك أياماً، ثم اتفقوا على أن أول من يدخل من باب المسجد يقضي بينهم، فكان أول داخل عليهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا، هذا محمد. ودعا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بثوب وأخذ الحجر، ووضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثم بنى عليه .

وهنا يجسِّد النبي (صلى الله عليه وسلم) صورة التلاحم الذي يرفع عن الأمة التمزّق والتشرذم والفرقة والتناحر.. بهذا الأسلوب الرائع في حل المعضلات والمقدرة على تقريب وجهات النظر المتباينة.

بعثته (صلى الله عليه وسلم):

أول ما بدأ به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه - وهو التعبُّد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطَّني الثالثة ثم أرسلني فقال: )اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( [العلق:1-3]. فرجع بها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زمِّلوني زمِّلوني . فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة وكان امرأً تنصَّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عَمِي فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي نزله الله به على موسى، يا ليتني فيها جذع ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أو مخرجوي هم . قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ثم لم ينشَبْ ورقة أن توفي ([9]).

الدعوة سراً وإسلام أشراف من قريش:

وكانت الحال الأولى حال نبوة وإيحاءٍ، ثم أمره الله في هذه الآيات أن يُنذِر قومه ويدعوَهم إلى عبادة الله، فشمَّر (صلى الله عليه وسلم) عن ساق التكليف، وقام في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله سراً الكبيرَ والصغيرَ، َواَلحرَّ والعبدَ، والرجالَ والنساءَ، والأسودَ والأحمرَ، فاستجاب له عبادُ الله من كل قبيلة ([10])، وأسلم بدعوته أشارف من قريش، لهم مكانة وسؤدد ([11]).

إن البداءة بالأشراف والكبراء هي الأخرى رحمة بالضعفاء؛ لئلا يكون الحمل عليهم ثقيلاً حين يخالفون قومهم. وهذا من أعظم ملامح فقه الدعوة بالرفق والحسنى.

ودخل من شرح الله صدره للإسلام على نور وبصيرة ومعاينة، فأخذهم سفهاءُ مكة بالأذى والعقوبة، فلما اشتدَّ البلاء أذن الله سبحانه وتعالى في الهجرة إلى أرض الحبشة، فانحاز المهاجرون إلى مملكة أصحمة النجاشي فآواهم وأكرمهم، فكانوا عنده آمنين ([12]).

وجعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم)يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم ويقول:" من رجل يحملني على قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي ! ؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي". هذا وعمه أبو لهب وراءه يقول للناس: لا تسمعوا منه فإنه كذاب. فكان أحياء العرب يتحاشونه لما يسمعون من قريش عنه: إنه كاذب، أو ساحر، أو كاهن، أو شاعر، فيُصغي إليهم من لا تمييز له من الأحياء. وأما الألبّاء فإنهم إذا سمعوا كلامه وتفهموه شهدوا بأن ما يقوله حق وأنهم مفترون عليه، فيسلمون ([13]).

وكان مما صنع الله لأنصاره من الأوس والخزرج أنهم كانوا يسمعون من حلفائهم من يهود المدينة أن نبياً مبعوثٌ في هذه الزمن، ويتوعَّدونهم . فلما رأَوا الأنصارُ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يدعو الناس إلى الله تعالى، ورأى أمارات الصدق عليه قالوا: والله هذا الذي توعّدكم يهودُ به فلا يسبقنكم إليه ([14]).

ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لقي عند العقبة في الموسم نفراً من الأنصار فدعاهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى الإسلام، فأسلموا مبادرة إلى الخير، ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوا إلى الإسلام ففشا الإسلام فيها، حتى لم تبق دار إلا وقد دخلها الإسلام. فلما كان العام المقبل، جاء منهم اثنا عشر رجلاً: فبايعوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ([15]).

فلما كانت ليلة العقبة – الثلث الأولُ منها- تسلَّل إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاثةٌ وسبعون رجلاً وامرأتان، فبايعوا رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) خُفْية من قومهم ومن كفار مكة، على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم ([16]).

فلما تمت هذه البيعة استأذنوا رسولَ الله (صلى الله عليه وسلم) أن يميلوا على أهل العقبة فلم يأذن لهم في ذلك؛ بل أذن للمسلمين بعدها من أهل مكة في الهجرة إلى المدينة، فبادر الناس إلى ذلك. ثم خرج الناس أرسالاً يتبع بعضهم بعضاً ([17]).

وحين منع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) طلب الميل على أهل منى يهدف إلى مقاصد عظمى منها تعظيم المواسم الشرعية، وتجنيبها أن تكون مجالاً للحروب والخلافات فإنه يقصدها العامة والضعفاء وهم ليسوا محلاً للأهوال. وكذلك رحمته بهؤلاء النفر الذين بايعوا ولمَّا يتمكنوا فحتى لا يتعرضوا لفتنةٍٍ تصدُّهم عن سبيل الله.

هجرته (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة:

ولم يبق من المسلمين إلا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما أقاما بأمره لهما، وخلا من اعتقله المشركون كرهاً. وقد أعدّ أبو بكر (رضي الله عنه) جَهازه وجَهاز رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، منتظراً حتى يأذن الله عز وجل لرسوله (صلى الله عليه وسلم) في الخروج. فلما كانت الليلة التي همَّ المشركون فيها على قتل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا خرج عليهم، فلما خرج عليهم لم يره منهم أحد، ثم خلص إلى بيت أبي بكر (رضي الله عنه)، فخرجا من دار أبي بكر ليلاً، وقد استأجرا عبد الله بن أُريقط، وكان هادياً خِرِّيتاً، ماهراً بالدلالة إلى أرض المدينة، وأَمِناه على ذلك مع أنه كان على دين قومه، وسلّّما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثورٍ بعد ثلاث، فلما وصلا في الغار أعمى الله على قريش خبرهما، فلم يدروا أين ذهبا ([18]).

بقاء النبي (صلى الله عليه وسلم) مع الإذن لغيره بالهجرة ذلك لصرف النظر عن المهاجرين لأن المقصود الأعظم هو شخص النبي ص وهذا من الرحمة بالمهاجرين ؛ لئلا يطولهم أذى قريش لهم فيصدهم عن دين الله.

ودخل (صلى الله عليه وسلم) المدينة يوم الجمعة عند أول الاعتدال الخريفي في الزمان، فكان ذلك رمزاً لما في شريعته من الاعتدال، وكونها آخر الشرائع الإلهية التي يبلغ بها الدين غاية التمام والكمال ([19]).

حُمَّى المدينة ورحمته بأهلها:

لم يكن هواء المدينة في البدء موافقاً للمهاجرين من أهل مكة فأصاب كثيراً منهم الحمى، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعودهم فلما شَكَوا إليه الأمر قال: " اللهم حبِّب إلينا المدينة كما حبَّبت إلينا مكة أو أشدّ، وبارك لنا في مدِّها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجحفة" ([20])، فاستجاب الله جل وعلا دعوته وعاش المهاجرون في المدينة بسلام ([21]). وهذا من أعظم المواساة والرحمة حين دعا لهم بهذه الأدعية الجامعة إلى يوم القيامة.

وكان يضادُّ المسلمين في المدينة فئتان: اليهود والمنافقون، ولكن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قبل من المنافقين ظواهرهم وعقد مع اليهود عهداً ([22]). فإن أخذ الناس على ظاهرهم وقبول معاذيرهم فيه رحمة بهم ؛ لأن امتحان الناس وإرهاقهم فيه مشقة .

وتكونت له (صلى الله عليه وسلم) قوة، وجاء الوحي فيه مفصلاً لما أجمل في السور المكية من الأحكام، وبيان الحلال والحرام، وفيه فرضت الزكاة والحج والصيام، وكانت الصلاة فرضت بمكة في أول الإسلام وبينت السنة النبوية جميع فروع العبادات، وكل ما يحتاج إليه من النصوص والقواعد للسياسة وأنواع المعاملات ([23]).

قال ابن كثير: " فلما اطمأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم)بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع الأنصار، استحكم أمر الإسلام؛ فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة، والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوؤا الدار والإيمان " ([24]).

غزوة الفتح الأعظم:

في صلح الحديبية الذي كان بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وبين قريش في السنة السادسة من الهجرة النبوية([25]) دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقبيلة بكر دخلت في عهد قريش، وكان بينهما دماء في الجاهلية كمنت نارُها بظهور الإسلام، فلما حصلت الهدنة وقف رجل من بكر يتغنَّى بهجاء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على مسمع من رجل خزاعي فقام وضربه، فحرَّك ذلك كامن الأحقاد فشدَّ بنو بكر العزيمة على قتال بني خزاعة، واستعانوا في ذلك بقريش فأعانوهم سراًّ بالعدة والرجال، ثم توجَّهوا إلى خزاعة وهم آمنون، فقتلوا منهم ما يربو على العشرين ([26]).

ارتكبت قريش بهذا خطأ فادحاً عندما أعانت بالخيل والسلاح والرجال حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين.. فاستنجدت خزاعةُ بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة فأنشد أبياتاً أمام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستنصره، فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم): " نُصِرتَ يا عمرو بن سالم " ([27]).

ثم شرع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في الجهاز إلى مكة، وسأل الله أن يعمي على قريش الأخبار، وخرج في شهر رمضان في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، وصام حتى بلغ ماءً يقال له: الكديد، فأفطر بعد العصر على راحلته ليراه الناس، وأرخص للناس في الفطر، .. ولقيه العباس في الطريق فأسلم، ثم جاء بأبي سفيان بن أمية فأسلم فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان يحب الشرف، فقال (صلى الله عليه وسلم): " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن" ([28]).

ودخل رسولُ الله (صلى الله عليه وسلم) مكة وهو راكب على ناقته وعلى رأسه المغفر، ورأسه يكاد يمس مقدّمة الرحل من تواضعه لربه عز وجل. ([29]).

وأما عامة أهل مكة فقد نالهم عفو عام رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول ‍(صلى الله عليه وسلم) ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم، وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول (صلى الله عليه وسلم) فيهم، فقال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيراً، أخٌ كريم وابنُ أخ كريم ، فقال: " لا تثريبَ عليكم اليومَ يغفرُ الله لكم ". فاختار أن يعفو عنهم، ويصبر على ما كان منهم، ويدع عقوبتهم تفضُّلاً منه واحتساباً، فقال: " نصبِر ولا نُعاقب " ([30]).

وأمر (صلى الله عليه وسلم) بتحطيم الأصنام، وتطهير البيت الحرام منها، وشارك في ذلك بيده فكان يهوي بقوسه إليها فتتساقط، وهو يقرأ: ) وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا( [ الإسراء: 81] ([31]).

وفاته (صلى الله عليه وسلم):

لما رجع النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة، أقام بها بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم ابتدأ به (صلى الله عليه وسلم) وجعه في بيت ميمونة يوم الخميس وكان وجعاً في رأسه الكريم، وكان أكثر ما يعتريه الصُّداع ([32]).

واستغرق مرضه عشرة أيام، ومات في يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد صحَّ أن شكواه ابتدأت منذ العام السابع عقب فتح خيبر بعد أن تناول قطعة من شاة مسمومة قدمتها له زوجة سلاَّم بن مشكم اليهودية ورغم أنه لفظها ولم يبتلعها؛ لكن السمَّ أثر عليه([33]).

وكان عندما حضره الموت مستنداً إلى صدر عائشة (رضي الله عنه)، وقد أخذت سواكاً من أخيها عبد الرحمن فقضمته وأعدَّته فاستنَّ به الرسول (صلى الله عليه وسلم). وكان يدخل يده في إناء الماء فيمسح وجهه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات. وأخذته بحَّة وهو يقول: )مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم(. [النساء:69] ويقول: اللهم في الرفيق الأعلى، فعرفت عائشة أنه يُخيَّر، وأنه يختار الرفيق الأعلى ([34]).

 

--------------------------------------------------------------------------------

([1])خلاصة سير سيد البشر، أبو جعفر الطبري 19-22.

([2]) سيرة ابن هشام 1/294. نقل الإجماع على ذلك خليفة خياط في تاريخه، انظر فيه: ص 53.

([3]) السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي ص 109.

([4])سيرة ابن إسحاق 1/57. سيرة ابن هشام، 2/20.

([5]) خلاصة سيرة سيد البشر، أبو جعفر الطبري 38-39، وأخرجه الحاكم في المستدرك، ح (4837)3/200، ونقل ابن كثير في السيرة الأقوال في عُمْر خديجة حين تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): قيل خمس وعشرون، وقيل:ثمان وعشرون، وقيل: خمس وثلاثون، وقيل: أربعون والله أعلم. انظر: السيرة لابن كثير1/265، 4/581، الطبقات الكبرى، ابن سعد 8/216-217.

([6]) قال ابن كثير: كان هذا الحلف قبل البعثة بعشرين سنة، انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 2/291، وما قيدناه مستفاد من: السيرة النبوية، الندوي ص 112.

([7]) سنن البيهقي الكبرى، ح (12859) 6/367، البداية والنهاية، ابن كثير 2/291.

([8]) سيرة ابن هشام، 2/18-21، السيرة النبوية، الذهبي، ص 66-67، السيرة النبوية، الندوي ص 110.

([9]) البخاري، ح (3)، مسلم، ح (160).

([10]) سيرة ابن هشام 2/97، الفصول في اختصار سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ابن كثير ص 84. كان أول من أسلم من النساء خديجة، ومن الرجال أبو بكر الصديق، ومن الغلمان علي بن أبي طالب وكان دون البلوغ، ومن الموالي زيد بن حارثة. البداية والنهاية، ابن كثير 3/26.

([11]) تاريخ الطبري،1/541، البداية والنهاية، ابن كثير3/29-30، السيرة النبوية، الندوي، ص 120.

([12])سيرة ابن إسحاق 2/154، سيرة ابن هشام 2/164، الطبقات الكبرى، ابن سعد 1/203.

([13]) تاريخ الطبري 1/555، ابن إسحاق 4/215.

([14]) تاريخ الطبري 1/558، سيرة ابن هشام 2/276، السيرة النبوية، الذهبي ص 289.

([15]) تاريخ الطبري 1/558، سيرة ابن هشام 2/279-287، البداية والنهاية، ابن كثير 3/158-159.

([16]) تاريخ الطبري 1/558-559، سيرة ابن هشام 2/297، البداية والنهاية، ابن كثير 3/160.

([17]) سيرة ابن هشام 2/314، السيرة النبوية، الذهبي 311-312، البداية والنهاية، ابن كثير 3/164.

([18]) تاريخ الطبري 1/565، سيرة ابن هشام 3/5-12.

([19]) خلاصة السيرة النبوية وحقيقة الدعوة الإسلامية، محمد رشيد رضا، 36.

([20]) سيرة ابن هشام 3/132، البداية والنهاية، ابن كثير 3/222، والحديث عند: البخاري، ح (1790)، ومسلم، ح (1376).

([21]) سيرة ابن هشام 3/132، البداية والنهاية، ابن كثير 3/222، والحديث عند: البخاري، ح (1790)، ومسلم، ح (1376).

([22]) نور اليقين، محمد الخضري، ص 112.

([23]) خلاصة السيرة النبوية وحقيقة الدعوة الإسلامية، محمد رشيد رضا، 45-46.

([24]) البداية والنهاية، ابن كثير 3/231.

([25]) تاريخ خليفة بن خياط، ص 81-82، تاريخ الطبري 2/16، سيرة ابن هشام 4/275-287.

([26]) تاريخ الطبري 2/153، سيرة ابن هشام 5/48.

([27]) تاريخ الطبري 2/154، البداية والنهاية، ابن كثير 4/278.

([28]) سيرة ابن هشام 5/52-58، الفصول في اختصار سيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، ابن كثير، ص 177 -178، صحيح مسلم ح (1780).

([29]) سيرة ابن هشام 5/63-69، الفصول في اختصار سيرة الرسول، ابن كثير، 174-180..

([30]) سيرة ابن هشام 5/73، البداية والنهاية، ابن كثير 4/301.

([31]) سيرة ابن هشام 5/80، البداية والنهاية، ابن كثير 4/302.

([32]) تاريخ خليفة بن خياط، ص 94، الفصول في اختصار سيرة الرسول، ابن كثير، ص 196.

([33]) خلاصة سير سيد البشر، الطبري ص 178، البداية والنهاية، ابن كثير 5/227.

([34])البخاري، ح (4174)، سيرة ابن هشام 6/72، البداية والنهاية، ابن كثير 5/226.