Get Adobe Flash player

رسالة اليوم من هدي الرسول

 -          (رحمته بالصغار) ليس للصغير غنى عن الرحمة لا سيما رحمة والديه، إذا رأى أماراتها سكنت نفسه، وإذا افتقدها حزن وانزوى ودمعت عينه، وقد كان (صلى الله عليه وسلم) يفيض شفقة ورحمة، وكان للصغار من رحمته أوفرُ نصيب، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قبل الحسن بن علي بن أبي طالب، ابن بنته فاطمة (رضي الله عنهم جميعاً)، وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً، فنظر إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ثم قال: ((من لا يرحم لا يرحم)). متفق عليه.

كتاب الرحمة في حياة الرسول

إقرأ مقالا من أكبر كتاب في العالم

فضل المدينة وسكناها

أضخم عمل عن الحرمين الشريفين

شاهد المدينة المنورة مباشرة

الرئيسية
m021.jpg

عن جابر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقَعْنَ فيها، وهو يذبُّهُنَّ عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي " ([1]).

قال النووي: " ومقصود الحديث أنه (صلى الله عليه وسلم) شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم، وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه وكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك لجهله " ([2]).

وقال ابن العربي: " هذا مثلٌ كثيرُ المعاني، والمقصود أن الخلقَ لا يأتون ما يجرُّهم إلى النار على قصد الهلكة، وإنما يأتونه على قصد المنفعة واتباع الشهوة، كما أن الفراشَ يقتحمُ النار لا ليهلك فيها؛ بل لما يصحبه من الضياء " ([3]).

مظهر الرحمة:

من رحمته (صلى الله عليه وسلم) بالأمة أنه يباشر المنع بنفسه من الوقوع في النار على سبيل التمثيل؛ بل هو أشدُّ لأن تحريك الوازع الديني والقوة الإيمانية يمنعان الإنسان من الوقوع في الشهوات التي توقعهم في النار.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: " اللهم من وليَ من أمرِ أمتي شيئاً، فشَقَّ عليهم، فاشقُق عليه، و من وَليَ من أمر أمتي شيئاً، فرفَقَ بهم، فارفُق به " ([4]).

مظهر الرحمة:

الولاية متعددة التصرفات والصلاحيات، ولها من السلطة ما يمكن للإنسان التصرف كما يشاء، وحتى لا تكون هذه الولاية سوط عذاب يسلّه من وَلِيَ شيئاً من أمور الناس. شوَّق النبي (صلى الله عليه وسلم) الوالي إلى الرفق حين أشعر بأنه بحاجة إلى من يرفق معه في محاسبته وشؤونه كلها.. وكذلك خوفه من ضدها فمن شقَّ على رعيته شق الله عليه، وهذا من الرحمة بالناس؛ لئلا يكونوا تحت وطأة الولاة، إذ ليس لهم قوة ولا ناصر لولا ما ذكره النبي (صلى الله عليه وسلم) من هذا الوعيد الذي لا طاقة لأحد به، والأجر الذي يتمنَّاه كلُّ أحد، ولا لأحد غنىً عنه.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنه) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) تلا قول الله تعالى في إبراهيم: )رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي([إبراهيم: 36]. وقال عيسى: ) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( [ المائدة: 118]. فرفع يديه فقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى فقال الله تعالى: "يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيه ؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بما قال: فقال الله لجبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك" ([5]).

مظهر الرحمة:

هنيئاً لأمة هذا نبيُّها.. بكل إشفاقٍ وخوفٍ حين رأى دعوةَ الأنبياء فصعُب عليه ذلك المشهد، وأن يرى أحداً من أمَّته يعذَّب، فزاد تضرُّعه لربه رحمةً وخوفاً على أمته.. فكان لطف الله به بأن لا يسوؤه ولكن سيرضيه. ذلك الفضل من الله على نبيِّه وأمتِه.

وعن معقل بن يسار (رضي الله عنه) قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: " ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فلم يحُطِهْا بنصحه إلا لم يجد رائحةَ الجنَّة " ([6]). ولمسلم عنه (رضي الله عنه) قال: " ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموتُ يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة " ([7]).

مظهر الرحمة:

الرعيَّة مظنَّة الكثرة والتنوُّع في القدرات والمواهب والأحوال، فهي تحتاج من الراعي شدة الحرص وتتبّع المصالح ودرأ المكدِّرات، فكان جزاء من فرّط في هذه الرعية وأهمل مصالحها وأرهقها صعوداً أن لا يجد رائحة الجنة، وهذا يكون في كل شيء مما يتعلق بإسعاد الناس وراحتهم ورحمتهم.. إن مسؤولية الراعي عظيمة، وحمالة جسيمة.. أعان الله الرعاة على مسؤولياتهم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر فإذا مطرت سُرَّ به وذهب عنه ذلك، قالت عائشة: فسألته فقال: إني خشيت أن يكون عذابا سلِّّط على أمتي ويقول إذا رأى المطر: رحمة" ([8]).

مظهر الرحمة:

إن هذا الانزعاج من شدَّة الخوف على أمته ورحمته بهم، وحين يكون الإنسان عظيماً فإنه يهتم بالآخرين، ويعيش أفراحهم وأتراحهم؛ بل وينسى ذاته في سبيل إسعادهم، أما وقد سقط ردائه (صلى الله عليه وسلم) وهو يستغيث لأمته.. وأشفق عليه كل من رآه .

 

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) مسلم، ح (2285)، وأحمد في المسند، ح (14930) 3/361.

([2]) شرح النووي على صحيح مسلم 15/50.

([3]) نقله ابن حجر في فتح الباري 6/464.

([4]) مسلم، ح (1828)، وأحمد في المسند، ح (24666) 6/93.

([5]) مسلم، ح (202)، وابن حبان في صحيحه، ح (7234).

([6]) البخاري، ح (6731).

([7]) مسلم، ح (142).

([8]) مسلم، ح (899)، وابن حبان في صحيحه، ح (658).